في البحرين : السلطة تخلق مجتمع مدني مزيف

 

      فرض التطور الإجتماعي علي الصعيد العالمي ، والتحلل من قبضة السلطات الديكتاتورية ، وتطور المبادرات الفردية والجماعية لبروز ظاهرة منظمات المجتمع المدني التي أخذت علي عاتقها النضال من أجل تحسين الأحوال المعيشية والإنسانية دون اللجوء لسلطات الدول . وفرضت تلك المنظمات نفسها كواقع أصبح مفروغا منه ، وأصبح تكتلاتها الكبري ، ومؤتمراتها الحاشدة ، ومناضلوها الذين أصبحوا معروفين في كل أقطاب الأرض بسبب الثورة المعلوماتية ، وبسبب التضحيات التي قدموها لثبيت أركان المجتمع المدني . وفي هذا الصدد لم تنجح الدول في وأد الظاهرة ، وفشل الأسلوب القمعي في التعامل مع تلك الظاهرة ، فتفتق ذهن العديد من الحكومات إلي فكرة مفادها إحتواء تلك المنظمات وإستقطابها ، ولم تنجح أيضا الفكرة تماما ، فلجئت العديد من الحكومات والأنظمة لخلق مجتمع مدني مزيف عبر تاسيس شبكات مجتمع مدني موالية للحكومات تتولي تزييف إنتقادات المنظمات المناضلة ، والإشادة في المحافل الدولية بجهود الحكومات التي أسستها ودورها في دعم التنمية وحقوق الإنسان . تلك الحيلة هدفت في المقام الأول لإفراغ إنتقادات وجهود منظمات المجتمع المدني – خاصة منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان& ومنظمات مناهضة التعذيب & ومنظمات الدفاع عن حرية الرأي والتعبير بكل أشكالها ( سياسيا ، إعلاميا ) .

      في هذا الصدد نشرت مدونة الفسيلة ، والشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان  نقلا عن مركز البحرين لحقوق الإنسان  تقرير يعرض وثائق تكشف منظمات "الغونغوز" في البحرين- أبطالها، دورها وآليات عملها ، والغونغوز هو إختصار للكلمة المعبرة عن تلك المنظمات الموالية للحكومات سرا :

GOVERNMENTAL OPERATED NON – GOVERNMENTAL ORGANIZATION) )  وهي عبار عن عدد متزايد من الكيانات والمؤسسات والمنظمات والجمعيات الحقوقية والسياسية، اسستها الحكومة البحرينية سرا لتبدو كأنها مؤسسات مجتمع مدني، وما هي في الحقيقة سوى أذرع للسلطة الحاكمة أو لإحدى مؤسساتها كالديوان الملكي وديوان رئيس الوزراء وجهاز أمن الدولة ووزارتي الخارجية والداخلية ، وذلك في محاولة لتضليل الرأي العام وتشويش المنظمات الدولية، والنيل من المؤسسات المجتمعية وشخوصها الفاعلة من خلال ما توفره لها السلطة من دعم مالي ولوجستي وتسهيلات اعلامية. وقد أكد تقرير أعد مسبقا عن نشاط تلك المنظمات - حسبما ذكرت المصادر- السابق الإشارة إليها - عن وجود شبكة سرية متغلغلة داخل أجهزة الدولة يرأسها ويديرها أحمد بن عطية الله آل خليفة - وزير الدولة لشئون مجلس الوزراء وعضو الأسرة الحاكمة. وأحد أهداف هذه الشبكة هو تشويه سمعة المدافعين عن حقوق الإنسان المستقلين والنشطاء المعارضين السياسيين، وخلق مؤسسات مجتمع مدني وهمية ومزيفة ومحاولة اختراق المستقلة منها. ووفقا لهذا التقرير، يشترك في هذه الشبكة مؤسسات حكومية عليا وشخصيات من مجلسي الشورى والنواب وشخصيات سياسية وإعلامية، وفريق من الاستخبارات الأردنية، ومجموعة إعلامية مصرية. وقد رصد لعمل هذه الشبكة مبالغ ضخمة تقدر بملايين الدولارات لتنفيذ المشروع الذي بدأ فعلياً منذ العام 2004م.

      وأورد التقرير المنشور بمدونة الفسيلة ، ومركز البحرين لحقوق الإنسان آليات عمل وتمويل تلك المنظمات من جانب السلطة البحرينية ، والجهود التي بذلتها لتبييض وجه الحكومة البحرينية في محافل دولية عدة ، وإبرازها كمدافع عتيد عن حقوق الإنسان ونشاطات المجتمع المدني . كما أورد التقرير أسماء "جمعيات" غير حكومية ، بالإضافة إلي كونه موثق بالصور ونسخ للشيكات المدفوعة والتحويلات المالية والأرصدة وبعض الرسائل المتعلقة بتنفيذ هذا مخطط الحطومة البحرينية السري. ومن تلك الكنظمات التي ذكرها التقرير ( جمعية البحرين لمراقبة حقوق الإنسان ) والتي تاسست باسم اثني عشر فرداً وبقرار وزير العمل والشئون الإجتماعية رقم (52) لسنة 2004 بتاريخ 30 نوفمبر 2004م وسجلت بقيد الجمعيات والأندية الاجتماعية رقم 17/ج/أج.ث استناداً للمرسوم بقانون رقم 21 للعام 1989م الخاص بقانون الجمعيات والأندية الاجتماعية والثقافية والهيئات الخاصة العاملة في ميدان الشباب والرياضة والمؤسسات الخاصة. وبرز اسم جمعية البحرين لمراقبة حقوق الإنسان عند إشهارها بعد فترة وجيزة من إغلاق مركز البحرين لحقوق الإنسان وتعرض الحكومة لسيل من الانتقادات الشديدة من قبل منظمات حقوق الإنسان نتيجة إقدامها على إغلاق المركز. وشغلت رئيستها السيدة هدى عزرا نونو أحد مؤسسي الجمعية منصب سفيرة البحرين في واشنطون ، إلا إن المحرك البارز فيها منذ تأسيسها ورئيسها الحالي هو فيصل حسن عبدالله فولاذ - العضو المعين من قبل السلطة بمجلس الشورى لأربع دورات سابقة منذ العام 1996م. ويعتبر فولاذ من أنشط الأفراد العاملين بهذه المنظمة وأكثرهم مناكفة ومضايقة للمدافعين عن حقوق الإنسان وعرقلة للمؤسسات الحقوقية في عملها. وقد استغل فولاذ التسهيلات الإعلامية المفتوحة المتاحة له من قبل السلطة ولباقي منظمات الغونغوز للتشهير بالنشطاء السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، دون أي رادع قانوني أو قضائي. ودأب فولاذ من خلال دوره في جمعيته بالتصادم مرارا مع المنظمات والمؤسسات غير الحكومية الفاعلة وذلك من خلال إصدار تقارير وبيانات كاذبة أو مضللة عن الأوضاع الحقوقية ومن ثم نشرها في الصحافة وإرسالها للمنظمات الدولية، وذلك من اجل تشويه سمعة الجهات الحقوقية البحرينية المستقلة أو التشكيك فيما يصدر عنها .

    وفي النهاية أعرب مركز البحرين لحقوق الإنسان عن قلقه البالغ لاستمرار السلطة في البحرين في سياسة خلق مجتمع مدني وهمي ومزور وعمل حقوقي مزيف ، وأضاف المركز في تعليقه علي تلك الظاهرة قائلا " تعتبر البحرين اليوم من الدول التي برز إسمها في خلق مؤسسات وهمية (الغونغوز)، لتظهر وكأنها مؤسسات مجتمع مدني إلا إن السلطة هي من صنعها وهي محركها وممولها الرئيسي والأساسي. وأصبحت هذه المنظمات الوهمية وشخصياتها القيادية معروفة ومكشوفة على الصعيد المحلي والدولي بل أضحوا نموذجا سيئا وظاهرة سلبية متنامية تتحدث عنها المؤسسات الدولية. وبناءً على ذلك، فان مركز البحرين لحقوق الإنسان يوصي بالآتي: - على السلطة التوقف عن خلق المنظمات والمؤسسات الوهمية، وبدلا من ذلك عليها تحسين أوضاع حقوق الإنسان لكي لا تكون هي في حاجة إليهم. - التوقف عن مضايقة مؤسسات المجتمع المدني وعلى رأسها منظمات حقوق الإنسان، وإفساح المجال أمام المؤسسات الحقوقية لتعمل في ظل أجواء ايجابية أقرتها المواثيق الدولية. - على بعض الصحف اليومية التوقف عن إعطاء المساحة الإعلامية لتلك المؤسسات المزورة وعدم إضفاء الشرعية عليها وألا أصبحت هي شريكة معها. - التوقف عن التعامل مع صحيفة الوطن (البندرية) من حيث إجراء الحوارات والمقابلات والإعلانات، وذلك للدور السلبي الذي تلعبه في إعطاء المشروعية لإبطال تقرير البندر أو لإذكائها الخلافات المذهبية وزج البلاد في خلافات سياسية ودينية. - وقف التطبيع أو التنسيق أو المساعدة مع هذه المؤسسات الوهمية أو المزورة أو أشخاصها البارزين. - كشف وفضح حقيقة تلك الشخصيات والمؤسسات المزورة، واعتبار الأموال التي تنفق عليهم جزء من الفساد السياسي المالي والاداري، وجب محاكمتهم على ذلك. - العمل على دعم مؤسسات المجتمع المدني الحقيقية والمستقلة عبر ميزانية الدولة ودون وصاية او تدخل من السلطة التنفيذية، وإزالة العراقيل عنها .