تعذيب مناضل إصلاحي بالسعودية

 

      يعاني التيار الإصلاحي - المؤيد للمجتمع المدني وحقوق الإنسان والراغب في بناء دولة عصرية – ليست ثيوقراطية دينية ، ولا أوليجاركية مالية يمتلكها آل سعود – في السعودية من انتهاكات مفزعة تطال كافة مناحي حياة مناضليه حتى أصبح وجودهم بالسعودية فيه خطر بالغ علي أرواحهم .

     وفي هذا الصدد أرسلت جمعية الحقوق المدنية والسياسية رسالة للعاهل السعودي للإستفسار عن أسباب تعرض داعية حقوق الإنسان والمناضل المدني وعضو الجمعية والقاضي السابق الشيخ سليمان الرشودي للتعذيب داخل المعتقل الذي يقبع فيه منذ فبراير 2007 بسبب نشاطه المدني . والشيخ سليمان الرشودي لديه سجل ناصع في العمل السلمي الذي يخدم مصلحة الوطن والمواطنين ، المحامي الشيخ / سليمان بن إبراهيم الرشودي من مواليد عام 1937م. وحصل على الماجستير من المعهد العالي للقضاء في عام (1971م) و عنوان رسالته كانت المرأة في الإسلام. وعمل في وزارة العدل قاضيا ثم إداريا في كتابة العدل ثم عمل في وزارة الزراعة (مستشار شرعي) ثم استقال من العمل الحكومي. و بدأ مزاولة المحاماة عام (1976م) و كان من أوائل من عمل بالمحاماة بالمملكة و شكل لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية مع ناشطين آخرين و اعتقل بسببها عام (1993م). وقاد المظاهرة سلمية عام (1994م) للتنديد باعتقال الشيخ سلمان العودة و اعتقل بسببها أربعة أعوام حتى رمضان (1997م). كما شارك في صياغة و التوقيع على عرائض إصلاحية و اعتقل بسبب ذلك عام (2004م) مع مجموعة من الإصلاحيين (الحامد/الفالح/الدميني/القصير). و صاغ لائحة اعتراض لتقديمها لديوان المظالم ضد وزارة الداخلية لاعتقال مجموعة من موكليه بدون محاكمات و لكنه أعتقل حتى الآن قبل تسليمها لديوان المظالم حيث اعتقل بجده في (1/2/2007م) هو و مجموعة محامين و أكاديميين حيث كانوا يتدارسون اللائحة ليتم تقديمها لديوان المظالم لكنهم اعتقلوا قبل تسليمها بيوم واحد بطريقة عنيفة حيث تم إبقاؤهم على وجوههم في الأرض لمدة نصف ساعة. ثم اقتيد إلى سجن ذهبان التابع للمباحث العامة ثم نقل إلى سجن في غرفة في مستشفى عرفان الأهلي في وسط جده بدون أي مرض أو علة تذكر، حيث لم ير الشمس منذ دخوله سجن المستشفى حتى الآن ولم يمكن من محامي ولم تتم محاكمته طوال مدة اعتقاله.

     وأكدت الجمعية في خطابها للعاهل السعودي أنه قد وصلت إلى الجمعية معلومات مؤكدة أن عضو الجمعية الشيخ سليمان بن إبراهيم الرشودي، القاضي السابق والمحامي وأحد القيادات في تيار الدستور والمجتمع المدني وحقوق الإنسان، يتعرض لمزيد من التعذيب الفظيع الجسدي والنفسي. وذكرت الجمعية أن أخر فنون التنكيل التي مارستها أجهزة القمع ضد الشيخ الرشودي هي أنها قد ربطت قدميه بسلسلتين، أحداهما تقيّد القدمين معاً والأخرى تشد القدمين إلى إطار السرير، ويكون خلال النهار مربوط في وضعية تحرمه من النوم والاسترخاء بحيث يبقى جالساً، وفي الليل تقيد القدمان في أعلى السرير في وضعية تسمح له بالنوم غير المريح، وقد أدمت الأغلال ساقيه لثقلها وبقاءه فيها طويلاً كما أكدت لنا المعلومات، ولم تنزع عنه هذه الأغلال حتى في وقت زيارة أطفاله الصغار وزوجته الذين دفعهم بشاعة المشهد إلى البكاء والامتعاض، حيث يتساءل الأطفال عن سبب وضع القيود في قدمي والدهم الكبير في السن، وعند مساءلة زوجته لأحد السجانين عن أسباب هذه المعاملة القاسية والمهينة أفاد بأنها توجيهات وأوامر من دوائر عليا، دون إعطاء أية تفاصيل. والجمعية تتساءل: لماذا ضوعف التعذيب الآن على الرغم من مضي أكثر من ثلاث سنوات على اعتقاله انفراديا؟ ولا يحتمل أن يقال أن هذا التعذيب من أجل انتزاع اعترافات مفبركة. و أوضحت الجمعية إن زيادة التعذيب على الشيخ إنما حدثت عندما أعلن انضمامه لجمعية الحقوق المدنية والسياسية وهو في المعتقل، فاعتبرت المباحث السياسية انضمامه تحدياً لبطشها لأن سجنه أكثر من ثلاث سنوات لم يزده إلا إصراراً على العمل السلمي وثباتاً على مبادئ الجهاد المدني في مجال حقوق الإنسان، كما أن تعذيبه بهذا الشكل الفظيع الذي جعل أطفاله يتباكون حول سريره رسالة للآخرين الناشطين في مجال حقوق الإنسان لتخويفهم من العمل في هذا الميدان، ثم أيضاَ هو داعية حقوق إنسان يؤمن بالعمل السلمي وشارك في الخطابات المطالبة بالدستور والمجتمع المدني، فإذا كانت وزارة الداخلية تتعامل مع دعاة حقوق الإنسان بهذا الشكل غير الإنساني والفظيع فما بالك بغيره. والجدير بالذكر أنه قد ناهز السبعين عاماً، فسجنه أيضاً مخالفاً للأعراف الدولية التي تستثني كبار السن من السجن والإيقاف، وهو أيضاً مريض بدليل أنه معتقل في مستشفى عرفان في جدة منذ أكثر من سنتين، فأية رسالة تبعث بها وزارة الداخلية إلى الشباب المعجبين بأطروحات تيار الجهاد السلمي وهي تزج برموزهم في السجون وفوق ذلك تعذبهم عذاباً فظيعاً؟ 

      ولقد بعث فضيلة الشيخ سليمان الرشودي من حبسه الانفرادي بالرسالة التالية التي نشرت علي موقع الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان نقلا عن الجمعية يوضح فيها ظروف اعتقاله ومعاناته وما يتلقاه من صنوف التعذيب الجسدي والنفسي: وذكر فيها نماذج من المعاناة التي لاقاها منذ جرى إعتقاله وزملائه منذ أكثر من ثلاثين شهرا وجاء بالرسالة : 1. جرت مداهمة الغرفة التي نحن جالسون فيها بإلقاء قنبلة صوتية قوية على باب الغرفة ثم مداهمة الغرفة بفرقة عسكرية مدججة بالسلاح و أفرادها ما يقارب العشرة ملثمون و أمرونا بالانبطاح على وجوهنا على الأرض و ذلك بصوت مرعب مهدد و ربطوا أيدينا بالكلبشات من الخلف و بقينا أكثر من ثلاثين دقيقة و خدودنا على البلاط و الكلبشات قد آلمت أيدينا من شدة ربطها و التهديدات متوالية لا أحد يتكلم و لا يشكوا والذي تكلم دفعوه من الخلف و سحبوه بعنف و أبقوه في داخل سيارة السجن المعروفة ذات الصندوق المغلق و المظلم و التي تنتظرنا، 2. أنهم مارسوا معي أثناء التحقيق لاسيما في أسابيعه الأولى ألوانا من التعذيب النفسي و الضغوط النفسية، على سبيل المثال أن أحد المحققين أغلق علي غرفة التحقيق من الساعة التاسعة مساء حتى الساعة الرابعة فجرا و الغرفة خالية من أي فراش و لا حمام و الوقت شتاء و المكيف شديد التبريد و المحقق أمر الحراس بحراسة الغرفة و منعني من الخروج لكني رفضت بعد ذلك التعامل أو الحديث مع هذا المحقق، ثم جاء محقق آخر برتبة عميد فصار يتعامل معي بأسلوب وقح و يأمرني أحيانا أن أجيب على الأسئلة و أنا واقف و عندما أجبته على أسئلته قال إني أكاد أستفرغ من هذه الإجابات. 3. حاولوا أن يغروني بعرض المال لي أو لأحد من قرابتي أجبتهم بأني مستغن أنا و سائر قرابتي و لا حاجة لأحد منا إلى أي مبلغ. 4. أبقونا لمدة عشرة أيام تقريبا في سكن جيد في فلل في أبحر ثم نقلونا بعد ذلك إلى زنازين ذهبان و كما هي معروفة حياة الزنازين الصغيرة و الكاميرات فوق رؤوسنا ليلا و نهارا و الطعام يدخل من الفتحة الصغيرة المعروفة في سجون المملكة في الحائط ثم تغلق، التشميس مرة أو مرتين في الأسبوع لفترة عشر دقائق و قليل منهم من يكملها خمس عشرة دقيقة، بقيت في تلك الزنزانة ما يقارب خمسة أشهر و إذا أخذونا إلى قسم التحقيق أغمضوا أعيننا ذهابا و عودة. 5. أصبت بإغماء نتيجة فقر الدم و نقلوني إثر ذلك إلى مستشفى عرفان و بقيت في المستشفى لمدة أسبوع ثم نقلوني إلى فلل أبحر و جاء إلي محققون جدد من الرياض و كان تعاملهم لا بأس به و صار أفراد عائلتي يزورونني و كانت معاملة الأفراد و رئيسهم لنا جيدة في هذا المكان لكن ما زال السجن انفراديا و ما زلنا محرومين من الأقلام و الأوراق و التفتيش جار لعائلاتنا و زوارنا عند الدخول و الخروج بعد الزيارة. 6. بعد سنة تقريبا نقلت إلى مستشفى عرفان بدون شكوى أو مرض و عزلت في قسم نسائي من المستشفى و هو قسم الولادة و كنت أظن أول الأمر أنها فحوصات لمدة أسبوع كالمرة السابقة و لكن اتضح أن المقصود هو عزلي وإبعادي عن زملائي. 7. ما زلت في هذا القسم من المستشفى منذ أكثر من ستة عشر شهرا و في سجن إنفرادي منذ ثلاثين شهرا محروم لم أر الشمس منذ ستة عشر شهرا تعرضت نتيجة لذلك لعدة أمراض أولها انزلاق غضروفي في وركي الأيسر عانيت منه آلاما مبرحة ثم بعد بضعة أشهر أصبت بتكلس في كتفي الأيمن فصرت لا أستطيع النوم من آلامه لأيام عديدة و ما زالت الآلام إلا أنها أصبحت أخف من السابق. 8. أنه جرى التضييق علي منذ عشرة أشهر فضيق وقت الزيارة و أصبح يرافقنا أثناء الزيارة داخل الغرفة عنصر نسائي من المباحث تحصي علينا أنفاسنا و أحيانا تأمرنا برفع صوتنا أثناء الحديث و إن كانت أحاديث أسرية عادية و شددوا علي و على زواري من عائلتي في التفتيش الدقيق حتى صارت هذه المرأة التي تفتش النساء تفتش حتى الأعضاء الحساسة من نسائي و بناتي إلى درجة أنها أحيانا تأمر المرأة التي ترتدي الفوط الصحية بإخراج الفوط لتفتشها و كأنها تفتش عصابة مخدرات. 11. أنه مضى على سجننا أكثر من ثلاثين شهرا دون تهمة أو محاكمة. 12. أنهم أثناء التحقيق معي كرروا علي أسئلة هل أنت تدعم حركة حماس الفلسطينية ماديا و دققوا في الأسئلة حول النواحي المالية حيث ذهبوا إلى البنك الذي أتعامل معه فأخذوا من البنك و من مكتبي كشوفا من حساباتي لدى البنك و صاروا يسألونني عن أي مبلغ صرفته مهما كان صغيرا أين صرفته حتى و إن كان مصاريف عائلتي فلما سألتهم عن هذا التدقيق في الأسئلة حتى مصاريف البيت أجابني المحقق قائلا هكذا تقضي القوانين الأمريكية، و قد سألوا البنك ثم سألوني عن رصيدي في البنك و عن أية مبلغ سحبته أين و لماذا سحبته و أين صرفته و حققوا مع الموظف لدي في مكتبي. 13. أنهم بعد اعتقالي قاموا بتفتيش بيتي و مكتبي فأخذوا الكمبيوترات التي وجدوها في المكتب أو في أحد بيوتي حتى و إن كانت لأحد أفراد العائلة من النساء و الأولاد كما فتشوا مكتبتي في بيتي، أيضا أنهم أول الوقت يوفرون المسكن و السيارة لعائلتي التي تأتي من الرياض لزيارتي و منذ نقلت للمستشفى لم يوفروا لعائلتي التي تأتي من الرياض لا سكن و لا سيارة و لا تذاكر سفر و لا أي شيء. 14. أنهم منذ نقلوني إلى مستشفى عرفان ضيقوا مجال الزيارة فلم يسمحوا بالزيارة إلا لأولادي و زوجتي و إخوتي حتى أحفادي منعوهم من زيارتي و رجعوهم بعد ما جاءوا من الرياض دون أن يمكنهم من زيارتي."

  إن هذا التعذيب المتصاعد - حسبما ذكرت جمعية الحقوق المدنية والسياسية - و الأساليب التي تستخدم ضد دعاة حقوق الإنسان هي بالإضافة لكونها تعذيباً تحظره الشريعة الإسلامية والقوانين الدولية التي صادقت عليها السعودية، خصوصاً اتفاقية مناهضة التعذيب، هي نوعاً من أخطر أنواع الإرهاب الرسمي، فكيف تظن الدولة أنها ستقضي على الإرهاب ووزارة ا لداخلية تكرسه أسلوباً وحيداً للتعامل مع الناشطين الحقوقيين فما بالك بالسياسيين والمعارضين، وهذه الأساليب هي المولدة للعنف والتطرف.