صحيفة الو قت البحرينيه

 

أعمدة
ما بين الجدار ألف جدار
عباس المرشد قد لا يتمكن بعض الناشطين الفرنسيين من الوصول إلى غزة، وقد يحالفهم الحظ في الوصول إليها، ولكن بعد فترة ليست بالقصيرة. الناشطون الفرنسيون وبعضهم من أصول عربية يقومون باعتصام أمام مبنى الأمم المتحدة ومبنى السفارة الفرنسية في القاهرة للضغط على السلطات المصرية للسماح لهم بالتوجه إلى غزة، والسلطات المصرية ترى أن الأمر متعلق بموضوع السيادة المصرية وليس من حق أي طرف التدخل أو محاولة الضغط على مصر لتمرير دخولهم إلى هناك.
هؤلاء الناشطون حملوا معهم في الذكرى الأولى لغزوة غزة دعماً معنوياً، ولم يكونوا يحملون أسلحة أو حتى مواد إغاثة على شاكلة قافلة شريان الحياة التي يقودها كلوي المعروف بمواقفه المناصرة للقضية الفلسطينية والقضايا العربية. ويأتي تضامن هؤلاء الفرنسيين بالتزامن مع مسيرات أخرى أقيمت في تركيا وفي بريطانيا ودول عدة غير عربية في ظل غياب الموقف الرسمي العربي الذي بدأ يتجه ناحية متطرفة فيما يخص بفك الحصار المفروض على قطاع غزة منذ سنوات. الصور التي تنشرها وسائل الإعلام لاعتصام الناشطين الفرنسيين تدعو إلى التوقف كثيراً أمام الأساليب التي يستخدمها هؤلاء للتعبير عن مواقفهم الاحتجاجية، فهم يرقصون بفرح وينشدون أغاني خاصة بهم، وبعضهم يحاول أن يجيد رقصة الدبكة، وفي المساء يفترشون الأرض للنوم حيث لا يمتلك كثير منهم أموالاً للإقامة في فندق.
مثل هذا الأسلوب للتعبير عن الرأي هو أمر مألوف في أوروبا، وجميع المسيرات والمظاهرات تجرى على مثل هذا السياق، ونادراً ما تكون خاتمة تلك الأعمال مواجهات مع قوات الأمن، ورغم حدوث بعض من ذلك فهناك قنوات عدة للوصول إلى مخارج حقوقية وسياسية تحفظ فيها هيبة الدولة وتحفظ فيها كرامة وحقوق المواطن، وهو ما تفتقده الساحة العربية.
أعتقد أن رسالة الوفد الفرنسي قد وصلت إلى شعب قطاع غزة حتى وإن لم يتمكن هؤلاء من الدخول إليها، وهناك رسالة أخرى جلبها هؤلاء الناشطون إلى الساحة العربية تتصل بتجديد أساليب الاحتجاج وتفضيل طرق الحداثة في التعبير عن مواقف الاستنكار والغضب. فمن حق المواطن العربي أن يخرج في مسيرة سلمية لا يضطر فيها إلى أن تخرج أوداجه من رقبته أو أن ينخلع كتفه من جراء رفع يداه مقبوضة دوماً. أجواء تحمل المواطن العربي أن يأتي بعائلته وأطفاله إلى أي مشاركة سياسية بعيداً عن الخوف من طلقات الغازات المسيلة للدموع أو طلقات أخرى لا يعرف أين تستقر.
إن تعامل قوات الأمن المصرية مع المعتصمين الفرنسيين تدعو إلى التفاؤل إذا ما أزيل العنصر الأجنبي من الموضوع، فلم يكن المعتصمون يهتفون بشعارات عربية من قبيل بالروح والدم نفديك.. أو الموت لفلان أو علان، فشعاراتهم مقتصرة على قضيتهم والقضية التي أتوا من أجلها وهي قضية حصار غزة.
ليس المجال هنا لتخطئة شعارات مرحلة من مراحل الحركة السياسية العربية بقدر ما أنّ المجال بات مفتوحاً للإعلان عن مرحلة جديدة تأخذ على عاتقها رفع شعار مكافحة السياسة العنيفة ووضع حد لخروقات حقوق الإنسان في العالم العربي. إن قليلاً من احترام حق الإنسان في التعبير عن رأيه وعن معتقداته السياسية يلزمه بالخروج على الطرق التقليدية في التعبير وابتكار طرق أخرى أقل كلفة ليس لنفسه فقط، وإنما للأجهزة الأمنية وللدولة أيضاً، فكلفة تفريق مسيرة أو مظاهرة سياسية كلفة باهظة مادياً وسياسياً إن من حيث الإصابات والسمعة الدولية أو من حيث كلفة الطلقات وأجور إضافية لقوات الأمن.
الذين وجدوا في تضامن الفرنسيين أو الأتراك أو الأوروبيين مع القضايا العربية وسيلة لتهيج الرأي العام وفرصة للتعبير عن الغضب الكامن في الصدور، كانوا صائبين حتماً، إلا أن ذلك لا يمثل إلا أقل من نصف الكوب، أما باقي الكوب فهو متصل بالأساليب والطرق الحديثة في التعبير عن الرأي ومحاولة الخروج على الطرق التقليدية وإجبار الأطراف المضادة على التعامل بطريقة مختلفة أيضاً وهي طرق أقل كلفة للمواطن وللدولة