هل تمثل حكومات مجلس التعاون الخليجي شعوبها ؟

 

 

 

هل تمثل حكومات مجلس التعاون الخليجي شعوبها ؟

 

 

أ.د.خليفة يوسف الخليفة

 

 

ليس هناك من أدنى شك في أن الدولة التي تكون فيها الحكومة نابعة من ارداة المجتمع ومنتخبة من كافة شرائحه هي حكومة تتصف بالرشد والقدرة على توحيد الصف الداخلي لهذا المجتمع وبالتالي تحقق الأستقرار الذي يعتبر شرطا للتنمية والأزهار الأقتصادي ، فهل يا ترى يمكننا القول بأن حكومات مجلس التعاون الخليجي هي حكومات تمثل شعوبها وبالتالي فهي قادرة على توفير كل من الأستقرار والأزهار لشعوب المنطقة في السنوات القادمة ؟ ان الأجابة على هذا التساؤل تتطلب منا أولا تعريف بسيط لما نعنيه بالحكومة التي تكون ممثلة لشعبها اي الحكومة التي تشارك شعبها في القرار وتعبر عن ارادة هذا الشعب ؟ تشير ادبيات التنمية السياسية الى انه لكي تكون الحكومة ممثله لشعبها ومعبرة عن طموحاته لابد من تحقق عدة أمور أهمها وجود احزاب هياكلها الداخلية تتصف بالحرية وتتنافس على السلطة وتقدم برامج مختلفة لحكم البلد وتتساوى مع الحزب الحاكم في استخدام موارد المجتمع ، ووجود انتخابات منتظمة ونزيهه يتم من خلالها اختيار الحزب الذي تحوز برامجه على اغلبية اصوات الناخبين في المجتمع ، ووجود دستور يعبر عن ارادة المجتمع ويتم الألتزام بمواده من قبل كافة افراد المجتمع في ظل سيادة القانون والمواطنة الواحدة ، ولايتم التلاعب به وتغيير مواده لأبقاء السلطة القائمة في الحكم وهذا ما يعبر عنه عادة بسيادة القانون التي تعني باختصار وضوح القوانين التي تحدد علاقة الأفراد ببعضهم البعض وبحكومتهم ، هذه القوانين التي تجعل الجميع سواسية امام القانون وتمنع اي سوء استخدام للسلطة من قبل الحكومة على كل مستوياتها ، ووجود اعلام حر تتوفر له المعلومات الكافية يثقف بها أبناء المجتمع ليتمكنون من التعبير عن تأييدهم أو رفضهم لسياسات الدولة ، وبذلك يتمكن هؤلاء الأفراد من مراقبة ومتابعة اداء وممارسات حكوماتهم ، وأخيرا وجود مؤسسات المجتمع المدني بانواعها التي تعكس وتعبر عن آراء اعضاءها وتجعل القرارات الحكومية معبرة عن اردة المجتمع بكل شرائحه . وطبعا هناك تفاصيل تندرج تحت هذه الخطوط العريضة للمجتمع الذي تعبر حكومته عن شعبها ولكننا سنحاول ان نوضح ماذا تعني هذه الخطوط ومدى توفرها في حكومات دول مجلس التعاون الخليجي للوصول الى اجابة على تساؤلنا الرئيسي .

 

ان مجرد ذكر كلمة " حزب" في دولنا الخليجية يثيرلدى كثير من شرائح المجتمع مزيج من الخوف والأستغراب والأعتراض نظرا لما تعرضت له هذه الشعوب من تدجين وتطويع لقبول رأي واحد وحكم واحد وفكر واحد علما ان المتأمل لثوابت هذه الشعوب المتمثلة في كتاب الله وسنة نبيه والفقه الأسلامي يجد تراثا غنيا من التنوع ابتداءا من المذاهب الفقية والتكتلات السياسية التي بدات منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم كما حدث في سقيفة بني ساعدة عندما رشح المهاجرون ابي بكر رضي الله عنه خليفة لرسول الله ورشح الأنصار سعد بن عبادة وتم التداول بين الفريقين واجمعا بعد هذا التداول والأخذ والعطاء وابداء الرأي والرأي الآخر على اختيار ابي بكر خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكر احد وجود هاذين التيارين ، ولم يستغرب احد ابداء الراي ولم يتنكر لضرورة استشارة الجميع قبل الخروج برأي يعبر عن الأمة الصغيرة في تلك الفترة لأن هذه المنافسة في الأفكار وفي البرامج وفي القيادات ظاهرة صحية تؤدي الى افراز افضل البرمج واكفأ القيادات وهذا ما يؤكده قول الحق سبحانه وتعالى " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض" ، اي أن المنافسة والمدافعة واختيار افضل الكفاءات والبرامج هو الطريق الوحيد للرقي ومنع الفساد والجمود وهذا وللأسف ما تمارسه الدول المتقدمة اليوم بينما تحرم منه الأمة التي ابتدعته قبل غيرها . بأختصار ما نود التأكيد عليه هنا هو ان قيام الأحزاب وتنافسها في ظل انتخابات نزيهه ودستور يتساوى بموجبه جميع المواطنين في الحقوق والواجبات وتداول السلطة بين أبناء المجتمع هو الأصل الطبيعي لتطور المجتمعات البشرية وكل اشكال تدبير الحياة السياسية الأخرى من نظم وراثية أو عسكرية أو طائفية أو عنصرية هي صور على النظم السياسية المتخلفة لأنها تحرم شعوبها من حرية التعبير والأختيار والمساءلة والمشاركة وبذلك فهي تجعلهم اقرب الى مواطني الدرجة الثانية في مجتمعات اسسها وحفظها آباؤهم واجدادهم . بل أن حال المجتمعات الخليجية في ظل النظام القبلي البسيط السابق أو ما أطلق عليه البعض "البدوقراطية" كان افضل من الأنظمة الحالية أو ما أحب ان اسميه "بنظام الغنيمة" على الرغم من حجم الثروات والأمكانيات العلمية والتقنية وذلك لأن تلك المجتمعات القبلية كانت تحفظ حق الأفراد في ادارة شؤونهم ومساءلة شيوخهم والحصول على حقوقهم من غير استجداء ومهانة ، ذلك أن النظام القبلي كان الفرد فيه يعبر عن همومه وآرائه وحاجاته من خلال دائرة القبيلة وهذه الآراء يتم نقلها عن طريق شيخ القبيلة الى الدائرة الأعلى في هذا النظام اي تجمع شيوخ القبائل وهكذا حتى تصل مطالبه الى شيخ المشايخ ولذلك فانه لايحتاج الى ان يمارس صور الأستجداء والمهانة كما يحصل للمواطن في دولنا الخليجية اليوم اذا لم يكن تابعا لزيد أو عمر من القيادات وهذا النظام القبلي البسيط هو بالضبط الذي يمارس اليوم في الدول المتقدمة ولكن بصور متطورة واكثر شمولية فبدل ان يلجأ الفرد في هذه المجتمعات الحديثة مثلا الى شيخ القبيلة الذي لم يعد موجودا في الغرب اليوم يكون اتصاله بممثله في البرلمان وهذا الممثل يستطيع من خلال مؤسسته ان يوصل مطالب ناخبية وقضاياهم الى رأس السلطة في المجتمع وحتى اذا لم يتمكن من الحصول على مطالبه فهناك هيئات قضائية تستطيع ان تنصفه حتى من رئيس الدولة نفسه كما انصف القضاة في فجر الأسلام افراد من عامة الناس من خلفاء يقومون على رأس السلطة .

 

الآن وبعد أن بينا اهمية وجود احزاب وانتخابات وسيادة للقانون لنهضة المجتمعات ورقيها لابد أن نسقط هذا التحليل على واقع دول مجلس التعاون الخليجي وذلك بطرح التساؤل التالي : هل هناك احزاب سياسية تعبر عن ارادة ابناء المجتمع في هذه الدول ؟ وهل هناك انتخابات دورية ونزيهه في هذه المجتمعات ؟ وهل هناك سيادة للقانون يتم بموجبها اشعار الفرد بكرامته وحقوقه وانه متساويا مع بقية ابناء المجتمع ليطمئن على ماله وعرضه وحياته ؟ وهل الصحافة الخليجية حرة ؟ وهل هناك دور فاعل لمؤسسات المجتمع المدني ؟ ان الأجابة السريعة على هذه التساؤلات هي بالنفي مع بعض التفاوت الأمر الذي يدفعنا الى الحديث ولو على عجالة عن حالة الكويت كحالة متقدمة وعن بقية دول المجلس مع بعض الفوارق المحدودة . ونبدا بالكويت التي تعتبر اكثر تجارب المنطقة تقدما وان كان يراد لها كذلك ان تكون تجربة سيئة وغير ناجحة حتى لاتنتقل عدواها الى البقية كما شاهدنا في السنوات الأخيرة وكما نسمع من معارضي التجربة في الداخل والخارج بين الحين والآخر.

 

نعم الكويت تجربة رائدة ودستورها نموذجا يمكن ان تحتذي به بقية دول المنطقة اذا ارادت الخروج من مأزقها الحالي الذي لن يؤدي الى تنمية وقد يقود الى عدم الأستقرار . ولكن تجربة الكويت ظلت منذ بدايتها في عام 1962 تجربة مقيدة أو مسقوفة وذلك لأن روح الدستور لم تترجم الى واقع فصحيح أن هناك تكتلات سياسية ولكن ليست هناك احزابا معترفا بها يتم انتخابها ، وهذه التكتلات تعبر عن كافة الطيف السياسي في الكويت ولكنها تبقى عاجزه عن ترجمة برامجها لأن الحكومة لاتشكلها الأغلبية البرلمانية وانما تشكلها الأسرة الحاكمة متمثلة في الأمير بينما الحكومات في الدول الديمقراطية الفاعلة يشكلها الحزب الذي حصل على الأغلبية البرلمانية كما هو الحال في بريطانيا أو الرئيس الذي تم انتخابه كما هو الحال في الولايات المتحدة وبذلك تتحمل الأغلبية البرلمانية نتائج فشلها أو تجني ثمار نجاحها في تنفيذ برامجها . ففي الكويت وجود اغلبية برلمانية لاتتم ترجمته الى حكومة تنفذ برامج الأغلبية الأمر الذي يجعل الأغلبية البرلمانية ذات تأثير محدود ويجعل نجاح او فشل المسيرة السياسية مرتبط بما تقوم به الحكومة التي يعينها الأمير وتمتلك موارد المجتمع وبالتالي اذا لم تكن هذه الحكومة منسجمة مع توجه البرلمان يمكنها أن تضع كافة المعوقات في طريقه وينتهي الأمر ليس فقط بجمود التجربة وعدم قدرتها على تحقيق الأهداف التنموية المنشودة ولكن فوق ذلك يلقى باللوم لهذا الفشل على البرلمان ويتم حله بصفة دستورية اوغير دستورية بينما مكمن الداء هو في ان الأغلبية البرلمانية لم تعطى فرصة تشكيل الحكومة وتنفيذ برامجها ليحكم على ادائها بصورة موضوعية . من هنا فان التجربة الكويتية وعلى الرغم من جمودها في الوقت الحاضر الا انها تجربة لديها القدرة الكامنة في مواد الدستور للتقدم خاصة اذا سمح بتشكيل الأحزاب وتكليف الحزب ذو الأغلبية البرلمانية بتشكيل الحكومة وترجمة برامجه الأنتخابية الى واقع ملموس في الحياة اليومية . صحيح ان النظام شبه البرلماني الكويتي ، أو الهجين كما يطلق عليه في بعض الأدبيات السياسية لمزجه بين النظام البرلماني والرئاسي ، يكون فيه تداخل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية حيث ان الأخيرة يتم تشكيلها من البرلمان الذي يعطيها الثقة او يسحبها منها مقارنة بالنظام الرئاسي الذي ينتخب السلطتين بصورة مستقلة ، الا ان الحكومة المنبثقة من النظام البرلماني لابد ان ان تعكس واقع الأغلبية البرلمانية وتعبرعن برنامج هذه الأغلبية والا فان التجربة تظل تراوح مكانها كما هو حال التجربية الكويتية. ولاشك ان صعود رئيس الحكومة الكويتية على منصة الأستجواب من قبل نواب الأمة يوم الثلاثاء الموافق 9/12/2009 هو يوم تاريخي في الكويت هذا طبعا اذا كانت ثمرة هذا الأستجواب تغيير ساسات الحكومة الكويتية وتفعيل دورها التنموي نحو الأفضل ولكننا لانعتقد ان استجواب رئيس الوزراء كافيا وحده لحل الأختناق المتمثل في من يشكل الحكومة لأن الوضع الحالي يضع شبه فيتو للحكومة على أداء البرلمان وانطلاق التجربة الى الأمام . فهل تدرك الأسرة الحاكمة في الكويت ، خاصة الفئات التي تحاول تعطيل المسيرة ، بأن هذه هي فرصة تاريخية لجعل الكويت دولة رائدة في المنطقة بأكملها وهذا سبق سيسجل في تاريخ المنطقة لهذه الأسرة ، اما انها تنغض غزلها وتخسر ما انجزته ؟ الأيام القادمة هي وحدها القادرة على الأجابة على هذه التساؤلات .

 

هذه الكويت ، فماذا عن بقية دول المجلس ؟ ان الدول الخمس المتبقية بينها وبين الكويت بتجربتها المقيدة بونا شاسعا ، لأن حكومات هذه الدول لازالت غير مقتنعة بحق شعوبها بالمشاركة ولاتدل دساتيرها على رغبة كهذه ، اي ان هذه الدول ليست لديها دساتير تنص موادها على ان شعوبها شريكة لها أو أن المجتمع هو مصدر السلطات كما ينص على ذلك دستورالكويت الذي اقر ايام الأمير عبدالله السالم الصباح الذي لقب بابي الدستور الكويتي رحمه الله . واذا اردنا ان نكون اكثر دقة نقول بأن السعودية اكبر دول المنطقة مواردا بشرية ومادية ورقعة جغرافيه ليست فيها انتخابات ولااحزابا سياسية معترف بها وانما فيها مجلس شورى معين من الملك وكما هو متوقع فهو تعبير عن ارادة الذي أنشأه اكثر من كونه تعبيرا عن ارادة المجتمع الذي لم ينتخبه . اما البحرين فهي ملكية دستورية اسما وذلك لأن الملكية الدستورية الفعلية هي أن تبتعد الأسرة الحاكمة عن الحكم ويبقى دورها رمزيا ويمارس الشعب السياسة من خلال احزاب تتنافس ببرامج واضحة في ظل صحافة حرة وقضاء مستقل ومجتمع مدني متطور ، وهذا طبعا غير متوفرفي البحرين في الوقت الحاضر . فهل تستطيع الأسرة الحاكمة في البحرين أن تقفز قفزة أخرى أكثر جدوى وفعالية في طريق مشاركة شعبها في القرار في السنوات القادمة ؟ نرجو ذلك ولكننا لسنا متفائلين كثيرا خاصة اذا ظل الجمود السياسي ضاربا بأطنابه في السعودية . أما الحكومة العمانية فحالها كمن يقول " أنتخبوا ممثليكم ولكننا لن نتركهم يمارسون دورهم التشريعي والرقابي الا بما نقبله نحن " أي ان مجلس الشورى العماني وان كان اكثر تطورا من مجلس الأمارات في عملية انتخابه على الأقل الا انه لازال مجلسا لم يتعدى دوره أروقة المبنى الذي يجتمع فيه لأنه دوره التشريعي والرقابي تحدده السلطة التنفيذية  . أما قطر فأميرها  يبدوا أنه متقدما على غيره في الوعي بضرورة التغيير والمشاركة، ومشروع الجزيرة وما احدثه من نقلة في وعي المواطن العربي ومن تواصل مع بقية العالم حول قضايا العرب والمسلمين يسجل له ولاشك ويضاف اليه ما تقوم به حكومته من توفير البنية المعرفية في بلده ولكن هذا كله لايعفيه من تحقيق مشاركة الشعب القطري الفعلية في شتى القرارات ومجلس الشورى الحالي المعين يبدوا غير منسجما مع ما يصرح به المسؤولين في قطر حول الحرية واهميتها ، فهل تكون مفاجاة الحكومة القطرية لشعبها في الأيام القادمة بمستوى مشروع الجزيرة والبنية العلمية والمعرفية التي تتبناها حكومة قطر ؟ الله سبحانه وتعالى يعلم والأيام القادمة ستجيب على هذا التساؤل . اما المشاركة في الأمارات فهي مضحكة مبكية فقد جاءت متأخرة وولدت مشوهه ويكفي ان يصفها المراقبون الأجانب بأنها كانت تجربة " كاذبة " و " مزيفة" و" مسرحية " ، فالذين قاموا بالأيحاء بها وهندستها وتنفيذها لايمكن ان يكون لديهم احترام لعقول أبناء الأمارات ، بل أن ليس لديهم ادنى احترام لأنفسهم لأنهم كشفوا درجة ضعفهم وضيق افقهم وقلة تقديرهم لحقوق البشر والا فكيف يتم الخروج بمجلس ، يفترض فيه  تمثيل ارادة المجتمع ومراقبة اداء الدولة والقيام بدور التشريع ، مجلس يتم تعيين نصفه ، ثم تعيين ما يقارب 6600 شخص من حوالي 900 ألف مواطن لينتخبوا النصف الآخر طبعا مع التذكير بأن  المواطنين جميعا قد تم اغراقهم في محيط من الوافدين يزيد عددهم على 4.7 مليون نسمة ؟ وكنا نتمنى على هذه القيادات ان لاتقوم باخراج هذه " المسرحية الفاشلة " حتى ولو لم تجري اي انتخابات لأن هذه الأنتخابات قد اساءت لأهل الأمارات جميعا وقد اساءت الى هذه القيادات نفسها ولم نكن نتمنى على هذه القيادات ان تستخف بشعبها الى هذا الحد من اجل السلطة والكراسي .

 

على ضوء ما سبق تأتي اجابتنا على التساؤل الذي يتضمنه عنوان حديثنا هذا الشهر بالقول ان الحكومات الخليجية بأستثناء الكويت الى درجة معينة كذلك ، لاتمثل شعوب المنطقة وبالتالي فان ادارتها لموارد هذه الدول وتشريعاتها وسياساتها هي في الواقع انعكاس لأهوائها ومصالحها الضيقة ، ولذلك فاننا نرى هذه الحكومات تحاول ان تسد النقص في شرعيتها بعدم تمثيلها لشعوباء بالأتكاء على الخارج وعلى شراء الولاءات الزائفة والتأييد الوقتي واستخدام الأعلام الدعائي وشراء الولاءات غير أن هذا النهج عاقبته وخيمة على استقرار وازدهار هذه المنطقة ، وبالتالي فاننا ندعوا هذه الحكومات الى ردم الفجوة بينها وبين شعوبها والتصالح مع هذه الشعوب واعتبارها شريكة في السراء والضراء وحتى يتحقق هذا الأمر فاننا لانرى أملا في تنمية فعلية او استقرار دائم في هذه المنطقة لأن تنشئة أجيال امينة تحافظ على ثروة المجتمع لايمكن ان تتحقق في ظل ادعاء أبناء الأسر الحاكمة بحق متوارث في الثروة ، ولأن تنشئة اجيال مثابرة ومجتهدة تؤمن بالتفوق لايمكن تحققه والأسر الحاكم تتقاسم الوظائف العامة من غير أدنى اعتبار للكفاءة ، ولأن تنشئة اجيال عادلة تحترم حقوق الآخرين لايمكن ان يتم في مجتمعات يضرب فيها أبناء الأسر الحاكمة عرض الحائط بكل القوانين ، وأخيرا لأن تنشئة الأجيال السوية والأمينة لايمكن أن تتم في ظل اسر حاكمة تستخدم ثروات المجتمع لتشويه الحقائق وشراء الولاءات وتجميل الرذائل والأخفاقات كل ذلك من اجل البقاء في السلطة وها نحن اليوم نرى الفساد يتفشى في هذه الدول على كافة المستويات بسبب غياب القدوات . فالقاضي اصبح لايعدل اما خوفا من بطش اصحاب النفوذ او رغبة في عطاياهم وبذلك ضاعت حقوق من ليس بمتنفذا ، والمعلم اصبح قدوة سيئة للطلبة لأن العلم اصبح بالنسبة له تجارة بخسة مما ادى الى تساقط الأبناء على الطريق ورجل الأعمال اصبح طفيليا يعيش على عطايا هذه الحكومات فلم تعد هناك طبقة وسطى تحفظ توازن المجتمع وتساهم في تحقيق تنمية دائمة وهكذا هو حال بقية شرائح المجتمع في ظل النظم الوراثية . وهذه القمة الخليجية الأخيرة تختتم اعمالها في الكويت من غير ادنى اهتمام بقضية مشاركة الشعوب في القرار في فترة تزداد مؤشرات عدم الأستقرار في المنطقة ، أما على الصعيد الأقتصادي فلم يتجاوز الأتفاق النقدي اربع دول فقط وحتى هذا الأتفاق لم يوضع له جدول زمني واضح وهذا أقرب الى التأجيل من التفعيل ، أما قرار انشاء قوة التدخل السريع فلا نعتقد أن مصيره سيختلف عن مصير درع الجزيرة ، وفي الوقت الذي يستمر فيه جمود هذه الدول على كل صعيد يظل حال الشعوب حال المتفرج على لعبة يحدد غيرها فيها مصيرها ومصير الأجيال القادمة وهذا ما يراد لها ونحن نؤكد مرة أخرى بأن هذه السلبية التي تعاني منها شعوب المنطقة وعدم مطالبتها بحقوقها هي التي ستشجع حكومات المنطقة على التمادي في مسار اللامبالاة الحالي ، بل وان الأسوأ من كل ذلك هو أن عدم رغبة الحكومات في احداث الأصلاحات المطلوبة وتقاعس الشعوب عن المطالبة بهذه الأصلاحات هو الذي سيجلب لهذه المنطقة عدم الأستقرار باشكاله وهو الذي ادى الى اخفاق التنمية في هذه الدول فهل من يسمع أو يعي هذا القول ؟ نرجو ذلك .

 

ولابد لنا في ختام هذا الحديث الذي يكشف عن علاقة متردية بين حكومات وشعوب هذه المنطقة تتمثل في تغييب الحكومات لشعوب المنطقة عن آلية القرار أن نتساءل عن ماهية الأسباب التي جعلت أوضاع هذه الدول وغيرها من الدول العربية والأسلامية تؤول الى ما آلت اليه من تخلف عن الركب الحضاري على أكثر من مستوى ذلك على الرغم من كل الأمكانيات ، وهنا نتساءل : هل ياترى يمكن وصف علاقة هذه الشعوب بحكوماتها بقول الحق سبحانه وتعالى " فاستخف قومه فأطاعوه انهم كانوا قوما فاسقين " ؟ وهل من المبالغة استحضار مقولة " كما تكونوا يولى عليكم " في سياقنا هذا ؟ أليس من الأجدر بكل فرد فينا ان يتدبر علاقته مع خالقه سبحانه وتعالى بدل اتهام الآخر ؟ والم يجعل لنا الخالق سبحانه وتعالى معلما واضحا في اسلوب اصلاح المجتمعات بقوله سبحانه وتعالى " ان الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" ؟ هلا تدبرنا هذه الآية وانزلناها في واقعنا اليومي وذلك بالبحث عن المجالات المتعددة والمتنوعة التي يمكن أن نغير فيها ما بأنفسنا حتى يغير الله واقعنا الأليم ؟ اننا مطالبون جميعا بان نصحح علاقتنا بربنا وان نجدد عقدنا معه وان نتلمس جزئيات حياتنا اليومية من معتقدات وشعائر ومعاملات ونرتقي بها حتى تتحول الى زاد يرتقي به ايماننا وتصلح به قلوبنا عسى ان يكون في هذه التزكية بابا لخروجنا من هذه الأزمة وزادا يحرك عجلة التغيير في نفوسنا حتى تبدا بشائر التغيير في واقعنا كما وعدنا الله سبحانه وتعالى في محكم آياته وهذا ما وددت ان اختم به حديثي هذا الشهر لأننا لايمكن أن نظل نتحدث عن الأزمات من غير أن نفتح آفاقا في سبل علاجها ليس فقط من قبل الحكام وانما كذلك من قبل الشعوب .

 

المصدر : موقع دار السلام