سوريا : النظام الديكتاتوري يقتل التدوين

يثبت النظام السوري دائما ، وبلا كلل ، أنه نظام شرس وقاس ، كاره تماما للحريات وخاصة حرية الرأي والتعبير ، نظام منعدم الرحمة يمضي الوقت الأكبر في مراقبة شعبه وحصاره وعزله عن العالم الخارجي تحت دعاوي المقاومة والصمود . وأكثر ما لا يطيقه النظام السوري الآن ويعامله بقسوة شديدة هو التدوين. وفي هذا لا يرحم النظام السوري المدونين أيا كانت أعمارهم أو اهتماماتهم ، هل يستطيع أي شخص عاقل أن يصدق أن مدونة تبلغ من العمر بالكاد 19 عاما رهن الاعتقال منذ 3 أشهر دون أن يعرف أهلها لها مكانا .

   المدونة السورية طل الملوحي  ذات التسعة عشر عاما والطالبة في السنة النهائية بالمرحلة الثانوية. تكتب طل في مدوناتها الثلاثة – كما ذكرت مدونة كشف - عن أشياء عامة وبريئة، إحدى المدونات خصصتها لتبعث فيها برسائل للإنسان.. نعم رسائل تكتبها للإنسان في المطلق، وتذكره بالكوارث الطبيعية وبظلم القوى الكبرى ضد الشعوب المضطهدة أو تحدثه عن الجمال والطبيعة مثلا. وفي مدونة أخرى تهتم أكثر بقضايا فلسطين (أظن أن هذه من اهتمامات نظام دمشق ؟؟) وفي ثالثة تكتب عن التاريخ والغزل والأطفال والمرأة وتضمنها بعض أشعارها. فجأة وفي 27 ديسمبر 2009 جاء العسكر لبيت الفتاة "لسؤالها عن مقال كانت كتبته ووزعته على الإنترنت" وعادوا ليصطحبوها حاملين معها هذه المرة (جهاز الكومبيوتر الخاص بها ومتعلقاته) ثم.. لا شيء البتة ! الأهل سعوا للبحث عنها في كل مكان بلا جدوى . وهذا ما أكدت عليه الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان موضحة أن أجهزة الأمن السورية قد اعتقلت المدونة الشابة في 27ديسمبر 2009 ، ثم أعقب اعتقالها قيام أجهزة الأمن بتفتيش منزلها والاستيلاء على جهاز الحاسب الآلي الخاص بها ، ومنذ هذا التاريخ انقطعت وسائل الاتصال بها ، وفضلا عن عدم إجراء أي تحقيق رسمي معها ، فلم تتمكن أسرتها من زيارتها أو معرفة مكان احتجازها. 

     وعلي صفحات موقع نداء ، وهو الموقع المخصص لإعلان دمشق للتغيير الوطني والديمقراطي ، جاء بإحدى المقالات " لم تكن طل الملوحي تدري أن بضع كلمات نشرتها على مدونتها على شبكة الانترنت، ستؤدي بها إلى غياهب سجن فرع أمن الدولة في حمص، وأن الكتب والملخصات التي كانت تقرأها لتتقدم إلى امتحانات الشهادة الثانوية بعد شهرين، ستتحول إلى أوراق التحقيق التي ستوقعها بدون قراءتها حتى " .

    وعلي صفحات مدونة كشف قال الكاتب " لقد تصفحت مدونات الفتاة طل عليّ أعثر على شيء أفهم به ولو من بعيد سبب اعتقالها  فلم أجد. فقط وجدت صورا لغاندي وأردوغان وبعض شهداء حركة المقاومة في فلسطين( هل سببت هذه الصور غيرة أحد مثلا؟ حد يغير من صورة غاندي..) (ربما تدوينه أو لنقل بوست الغزل هو السبب؟) " وأستعرض الكاتب عبر لينكات لمواقع أخري الموضوعات التي نشرتها طل الملوحي  .

  وعلي صفحات مدونة الأمين أصدر مرصد المدونين السوريين بيانا ً استهجن فيه استثناء المدونين المعتقلين من العفو بموجب مرسوم العفو الرئاسي 22 الصادر بتاريخ 23/2/2010 والقاضي بمنح عفو عام عن الجنح والمخالفات المرتكبة قبل تاريخ 23/2/2010 . وكما ورد في بيان المرصد فإنّه ” كان من المتوقع ان يكون العفو عن المدونين المعتقلين الذين لا تقارن جريمتهم بجرائم الجنح والمخالفات والهروب من الخدمة ! حيث كانت التهم الموجهة بسبب كلمات نثروها على مدوناتهم ! “ . وأضاف البيان ” إن استثناء المدونين وجميع معتقلي الرأي من هذا العفو لهو عين الإجحاف والظلم الذي كنا نتمنى أن يزول بمثل هذه المراسيم ، وإن كنا أصلا نرفض مقارنة المدونين ومعتقلي الرأي بأصحاب الجنح والمخالفات والهروب من الخدمة “ .

     ومن جانبها قالت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان  ” إن القبض على مدونة شابة لم تنهي دراستها الثانوية بسبب قصيدة شعر لا تتضمن أي إساءة أو مخالفة للقانون ، هو نهج شديد القسوة وينم عن استبداد وعداء شديد لحرية التعبير ، وفي دولة مثل سوريا حيث بات السجن أقرب لأصحاب الرأي من حبل الوريد، يتوجب على كل المدافعين عن حرية الرأي أن يفضحوا هذه الممارسات ، التي تشبه كثيرا ممارسات ديكتاتوريات أمريكا اللاتينية في حقبة السبعينيات المظلمة”. في حين قال الكاتب بمدونة كشف " أتمنى أن يضع المهتمون وناشطو الانترنت رسالة موحدة بالعربية لتوجيهها لكل من يعنيه الأمر وحتى رسائل مناشدة للوزارات والهيئات السورية، وأخرى بالإنجليزية لكشف ما حدث من جريمة في حق فتاة عربية لم تفعل سوى أنها كتبت رسالة لأخيها الإنسان تقول له أن الظلم حرام! واطمئن المنظمات المعنية بحقوق الرأي والتعبير أن قضية تلك الفتاة ليس فيها أي مساءلة أو اختصام لسفارة دولة أوربية تتلقون منها تمويلا؛ فلا تخافوا ولا داعي للتهرب والصمت المفضوح. وربما تفتح عليكم حملة مناصرتكم هذه الفتاة أبواب الرزق ".