لبنان: الملاذ الذي كان لحرية الرأي في طريقه للانهيار

 

     نقلا عن مدونة بحرك يافا " على الرغم من أن قمع الحريات وسياسية تكميم الأفواه سمة عامة في العالم العربي إلا أن هناك بعض الدول العربية التي تمتاز بنوع من حرية الرأي والتعبير، أو لربما فيها هامش حرية أوسع من غيرها من الدول العربية. لبنان كانت إحدى هذه الدول العربية التي تتمتع بأجواء حرية الرأي والتعبير، وكانت كذلك الملجأ للصحفيين العرب والكتاب الفارين من أنظمة الحكم في بلادهم وأجهزتها المخابراتية، إلا أن معالم حرية الرأي والتعبير بدأت تختفي، وتسربت للبنان أنفلونزا قمع الحريات.

    هذا بالفعل كان وضع لبنان طوال النصف قرن السابق ، بلد متقدم بالنسبة لحرية الرأي والتعبير بشكل نسبي كبير عن كل دول المنطقة المحيطة التي كانت ترزح تحت مناخ من الرقابات المتعددة ، وسيطرة الأجهزة الأمنية ، وعنف التيارات المتطرفة دينيا وثقافيا واجتماعيا . ولكن ما حدث أخيرا في لبنان والمتمثل  – حسب ذكر الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان - في الحكم القاسي الذي أصدرته إحدى المحاكم اللبنانية ضد د. سماح إدريس رئيس تحرير مجلة “الآداب” ومديرة المجلة عايدة مترجي بتغريم كل منهما مبلغ أربعة ألاف دولار أمريكي ، في القضية التي رفعها مستشارُ الرئيس العراقيّ “فخري كريم” العراقي الجنسية ، بسبب مقال نقدي كتبه المفكر اللبناني الراحل ومؤسس مجلة الآداب الدكتور سهيل إدريس تم نشره في ربيع عام 2007 ، مع إلزام المجلة بنشر الحكم في العدد الصدر بعد الحكم ، يبدو بداية لإنهيار ذلك المكان – الوضع – السياق الذي كان في وقت من الأوقات قبلة لكل المثقفين العرب بحثا عن الحماية والأمان ، وبحثا كذلك عن مكان ومناخ للكتابة بحرية .

    أما مردُّ هذه القضية‎- كما ذكرت مدونة جدار - ‎فيعود إلي افتتاحية المجلة  في أحد الأعداد السابقة، والتي كتبها الدكتور سماح ‏إدريس‎ ‎الذي يدير الآداب من خلال رئاسة التحرير‎.‎ وكان إدريس كتب افتتاحية حول المال‎ ‎الثقافي المشبوه، متهماً الكاتب فخري كريم بالاختلاس، مما دفع الأخير ‏إلي رفع دعوي‎ ‎قضائية ضد الآداب . لكن الأمور لم تقف عند هذا الحد، إذ تداعي عدد من المثقفين في‎ ‎لبنان ‏والدول العربية إلي إصدار ميثاق شرف بين أنصار الكلمة الحرة النص أدناه مع‎ ‎تواقيع الشخصيات‎.‎ وأوضح سماح إدريس تداعيات القضية كما يلي : نشرتُ افتتاحيّتي المذكورة، موضوعَ الدعوى، وعنوانُها «نقدُ الوعي النقديّ: كردستان -العراق نموذجاً» في العدد 5/6/2007 من مجلة الآداب. والهدفُ الأوّلُ والأخيرُ منها هو نقدُ «أدعياء الوعي النقديّ» الذين «يهاجِمون ظالمين مستبدّين، لكنهم يَسْكتون عن ظالمين مستبدّين آخرين» على ما جاء في خاتمة الافتتاحيّة. وكنتُ قد بدأتُها، ضمن هذا الإطار، بنقد الزملاء أدو نيس (فردّ عليّ في جريدة «الحياة»، التي امتنعتْ عن نشر ردّي، فنشرتُه في جريدة «الأخبار»، وانتهى الأمر)، وشاكر النابلسي، وبول شاوول، وعلي حرب. ثم عرّجتُ على مهرجان المدى الذي أقيم بين 29 نيسان و6 أيّار من ذلك العام في كردستان ــــ العراق، برعاية جلال الطالباني وإدارة «الزميل فخري كريم»، ودُعي إليه 700 أو 800 مثقّف على ما جاء في وسائل الإعلام. فاستغربتُ أن يذهبَ أكثرُ هؤلاء إلى مهرجان المدى في أربيل وأن يلتقوا بجلال الطالباني من دون أن يتحقّقوا من واقع الأمور هناك، من قبيل: دوْر الموساد الإسرائيليّ، وحقوقِ الإنسان (والمرأة)، ودورِ الحزبين الكرديين الرئيسيين في دمار كردستان بسبب اقتتالهما، وهويّةِ الداعي (فخري كريم) السياسيّةِ نفسِها. وأجريتُ بحثاً دقيقاً كشفتُ من خلاله أموراً كثيرةً أهمُّها: وجودُ الموساد في كردستان وجوداً شرعيّاً (وذلك باعتراف رئيس مكتبه السابق أليعازر جيزي تسافرير، وبالاستناد إلى تحقيقيْن صحافيّين لسيمور هيرش ولورا روزن ومقالاتٍ في صحيفتيْ «يديعوت أحرنوت» و«هآرتس» الإسرائيليتين)، وتزايدُ جرائم الشرف، وتوقيفُ الصحافيين، واستخدامُ التعذيب ضدّ الموقوفين (بحسب تقرير بعثة الأمم المتّحدة لمساعدة العراق في نيسان/أبريل 2007)، وسوءُ معاملة العرب داخل كردستان. وتوقّفتُ أخيراً في مقطعٍ من عشرة سطور (ضمن مقالي المكوَّنِ من 275 سطراً) عند الزميل الناشر فخري كريم، بوصفه الداعيَ إلى هذا المهرجان الضخم، وبوصفه «كبيرَ مستشاري» الرئيس العراقيّ المدعوم من الاحتلال الأميركيّ عقب إسقاط نظام صدّام حسين. فاستهجنتُ ألاّ يكترثَ أحدٌ تقريباً من المثقفين والصحافيين المدعوّين (باستثناء حفنةٍ قليلةٍ كالزميل وائل عبد الفتّاح) لعشرات المقالات والبيانات التي تتحدّثُ عن مصير أموال الحزب الشيوعيّ العراقيّ، وأموالِ مجلة النهج ودار المدى، ولا عن صلات بعض «الشيوعيين العراقيين القدامى/الجدد» باستخبارات النظام السابق فضلاً عن استخبارات أخرى عربيّةٍ وغير عربيّةٍ في ما تلى ذلك من عقود. وختمتُ الافتتاحيّةَ بالمقطع التالي: «إنّ وطننا، الوطنَ العربيّ، في مأساةٍ لا لأننا ابتُلينا بأنظمةٍ مستبدّةٍ فحسب، وبأطماعٍ إمبرياليّةٍ وصهيونيّةٍ متعجرفةٍ فقط، بل لأننا أيضاً إزاء تراجعٍ حادٍّ في الوعي النقديّ الحقيقيّ»؛ ذلك أنّ جزءاً من الوعي السائد يتجلبب بالنقديّة المزيّفة لينقدَ (عن صوابٍ) الديكتاتوريّاتِ العربيّةَ المقيتة، لكنه يَصْمت صمتَ القبور عن «الديموقراطيّة» الأميركيّة الجديدة التي أوْدت بحياة مئاتِ الآلاف ويتّمتْ أمثالَهم وقَسّمت العراقَ. وفي النهاية قال إدريس : آمل أن يكون قد اتّضح للقرّاء من هذا التلخيص أنّ نقدي للسيّد كريم كان عنصراً واحداً فحسب من نقدٍ أعمّ، يتناول المثقفين غيرَ النقديين، ويتناول اليسارَ الذي بات بعضُه (يا للأسف) جزءاً من المدرّعة الفكريّة للاحتلال الأميركيّ. ولم أوردْ في تلك الافتتاحيّة أيَّ مصدرٍ يعزِّز تلميحاتي إلى ماليّة «النهج» و«المدى» والحزبِ الشيوعيّ العراقيّ، لا لأنّ الأمرَ متداولٌ على نطاقٍ واسعٍ بين جمهور المثقفين العرب فحسب، بل لأني في الأساس لم أبتغِ «شخصنةَ» المسألة بما يُبْعد المقالَ عن هدفه الأساس الذي عَبّر عنه عنوانُه. 

     وأبرزت مدونة جدار ميثاق الشرف الذي أطلقه العديد من المثقفين العرب الذين هالهم ما تحمله تلك القضية من تبعات علي الواقع اللبناني وجاء فيه : " نحن الموقّعين أدناه، أنصار الكلمة الحرة، المؤمنين بحق‎ ‎المواطن/الإنسان في إبداء رأيه قولاً وكتابة وفعلاً؛ ‏واستناداً إلي المادة (ج) من‎ ‎مقدمة الدستور اللبناني التي جاء فيها: لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية، تقوم‎ ‎علي احترام الحريات العامة، وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد... ؛ و كذلك استناداً‎ ‎إلي المادة الثالثة عشرة من ‏الفصل الثاني، التي كفلت حرية إبداء الرأي قولاً وكتابة‎ ‎وحرية الطباعة... ؛ وانطلاقاً من تاريخ بيروت، أمّ ‏الشرائع، ومدينة الإشعاع‎ ‎الثقافي؛ واقتداءً بالأعراف والتقاليد التي نشأنا عليها، والتي كانت ولا تزال تفتح‎ ‎المجال ‏لمناقشة كل ما يَرِدُ في الإعلام مناقشة عقلانية حرة، وإبداء الرأي والرأي‎ ‎المضادّ . واحتراماً للقانون الذي لا يكون فيه اللجوء إلي القضاء إلا في حال‎ ‎تمنُّع الوسيلة الإعلامية عن نشر الرأي ‏المضادّ؛ فإننا نتقدّم من إخواننا‎ ‎المواطنين، وأينما كانوا، لبنانيين وعرباً، باحثين، وعلماء، وإعلاميين، وأدباء،‎ ‎وشعراء، وفنانين، ومثقفين، وقراءً يسعون إلي الكلمة الحرة الصادقة، بميثاق شرف‎ ‎يحرّم اللجوء إلي المحاكم ‏انطلاقاً من الاختلاف في الرأي والمعلومة والدليل، هذا‎ ‎نصُّه‎:‎ انطلاقاً من إيماننا المطلق بحرية الفكر، نشجب شجباً مطلقاً لجوء أيّ‏‎ ‎مواطن عربي إلي المحاكم لمقاضاة ‏صاحب رأي، أو ناشر معلومة، أو محلل لوضع ما أو سيرة‎ ‎ما أو عهد ما... بغضّ النظر عن مضمون ‏الدعوي، أو الجهة المدّعية، أو الجهة المدّعي‎ ‎عليها. فالفكر لا يجابَه إلاّ بالفكر، والحقائق لا تدحضها إلا ‏الحقائق. والمؤلَّفات‎ ‎والمنشورات والوسائل الإعلامية ليست قاعات محاكم، بل منابر فكرية يجب أن تقوم علي‎ ‎احترام الرأي والرأي المضاد‎.‎ لماذا ميثاق الشرف هذا الآن؟ أدفاعاً ـ فقط ـ عن‎ ‎مجلة الآداب التي استدعيت للمحاكمة؟ لا، ليس من أجل ‏مجلة الآداب فقط، بل من أجل‎ ‎حرية كل مواطن عربي في إبداء رأيه، وكذلك حرية الآخر في إبداء الرأي ‏المضاد‎ .

     ومن جهته،‎ ‎أصدر فخري كريم بياناً أوضح فيه ملابسات هذه الدعوي القضائية ومسوّغاتها بحسبه قائلا : يعلن فخري ‏كريم أن دعواه علي الآداب لنشرها مقالاً بقلم رئيس تحريرها الحالي‎ ‎الدكتور سماح إدريس، عدّه افتراءً وقدحاً ‏في شخصه ومئات المثقفين العرب الذين‎ ‎شاركوا في أسبوع المدي الثقافي في العراق. إن هذه الدعوي قصدت ‏بها مجلة الآداب في‎ ‎صيغتها الحالية ورئيس تحريرها الحالي، ولم يكن المقصود بأية حال الآداب التاريخية‎ ‎التي ‏لا ينكر أحد مساهمتها في صناعة الثقافة الراهنة، كما لم يكن المقصود علي‎ ‎الاطلاق الدكتور سهيل إدريس ‏الكاتب والمبدع.‏ شاءت ملابسات قانونية أن تطال الدعوي‎ ‎الآداب لما صارت إليه علي يد رئيس تحريرها الحالي والدكتور سهيل ‏إدريس بوصفه صاحب‎ ‎المجلة وزوجته الدكتوره عايده مطرجي إدريس، ولها أيضاً اعتبارها الأدبي والثقافي،‎ ‎بوصفها المدير المسؤول‎ .‎ كان من المؤسف أن تؤدي الشكليات والمواصفات القانونية‎ ‎إلي أن تشمل الدعوي مؤسسي الآداب، علماً بأن ‏الآداب في صيغتها الحالية هي في عهدة‎ ‎الدكتور سماح إدريس، وهي لذلك في طور جديد لا يسأل عنه ‏مؤسساها اللذان، في ما أعلم،‎ ‎يكتفيان بالرعاية الروحية فيما شؤون التحرير في يد رئيس التحرير الحالي.‏ الدعوي‎ ‎ليست محاكمة للآداب التاريخية ولا لحرية الفكر الذي لا يدحض إلا بالفكر ولكنها‎ ‎محاكمة للافتراء ‏والتشهير واستبدال الفكر بالنميمة والقدح والتحريض الشخصي‎ ‎والتخوين. وعليه يعلن فخري كريم أنه سعي لدي ‏محاميه لإخراج الدكتور سهيل إدريس من‎ ‎الدعوي وإيجاد صيغة قانونية مناسبة لذلك. ولولا الإشكالية القانونية ‏لطلب إخراج‎ ‎الدكتورة عايدة مطرجي من الدعوي أيضاً وهو متروك للمحامي أن يجد المخرج المناسب،‎ ‎إذا لم ‏يتعارض ذلك مع استمرار أصل الدعوي‎ .‎  ومن جانبها أعربت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان عن انزعاجها الشديد للحكم القاسي الذي أصدرته إحدى المحاكم اللبنانية ضد د. سماح إدريس رئيس تحرير مجلة “الآداب” ومديرة المجلة عايدة مطرجي بتغريم كل منهما مبلغ أربعة ألاف دولار أمريكي ، في القضية التي رفعها مستشارُ الرئيس العراقيّ “فخري كريم” العراقي الجنسية ، بسبب مقال نقدي كتبه المفكر اللبناني الراحل ومؤسس مجلة الآداب الدكتور سهيل إدريس تم نشره في ربيع عام 2007 ، مع إلزام المجلة بنشر الحكم في العدد الصدر بعد الحكم. وقال المدير التنفيذي للشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان” وكأن أعداء حرية التعبير والأزمة المالية قد تحالفا ضد هذه المجلة التي تمثل ذاكرة وضمير المهمومين بقضايا عالمنا العربي ، وحين يصدر الحكم في دولة مثل لبنان التي ظلت لسنوات طويلة استثناءا من مناخ العداء لحرية التعبير ، فهذا يدل على اتساع سطوة الأصوات الرافضين لإعمال العقل في الشأن الثقافي والوطني في العالم العربي ، فلا يجب اجتزاء جزء من مقال هام ليحاكم الكاتب بسببه ، فضلا عن رفضنا المبدئي للمحاكمات الجنائية في قضايا النشر“ . ودعت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان كل المثقفين والأدباء العرب لبدء حملة اكتتاب لدعم هذه المجلة الجادة في مواجهة هذا الحكم القاسي ، ولمواجهة الأزمة المالية التي باتت تهددها بالتوقف قائلة” توقف مجلة الآداب هو خسارة فادحة لنا جميعا ولكل عربي بحاجة إلى صوت نقدي يذكرنا بمبادئ وقيم غابت عن البعض وتعمل الآداب بجدية على الصراخ بها ، إنها قيم العقل والاستنارة والنضال من أجل مجتمعات ديمقراطية يستحقها المواطن العربي“.