في السعودية : التشدد يحرق الثقافة والوطن

  

      دائما ما يذهلني المجتمع السعودي ، لا حدود لتطرفه ، وتحت أسم تطبيق تعاليم ترتكب أبشع وأغرب الجرائم ، وتهان المرأة إهانات تفوق حد التصور ، وينتهك حرية الرأي ، وتقفل كل قنوات لأي حوار خارج فهم التيارات المتشددة للشريعة والدين ، وليس من الصعب بعد ذلك أن نتصور جميعا حال الثقافة وممارسة العمل الثقافي الإبداعي في مجتمع تقليدي نمطي لا مكان فيه للإبداع .

     نادي الجوف الثقافي  - هذا النادي الفتي والذي تأسس من أربع سنوات ، والذي عرف أن طريق الثقافة والأدب وحرية الرأي مليئة بالأشواك المتراكمة وعليه أن يزيح الكثير منها حتى يستطيع وضع قدميه في مسيرة الثقافة المحلية، الثقافة المختطفة من قبل مجموعة من الأشخاص ظنوا أن في مقدورهم إيقاف حركة التاريخ عن المضي في طريقها. طبيعي أن تكون هناك خسارات فادحة لكن الحياة تسير كما توجهها يد التاريخ ، تعرض للحريق مرتين – حسبما ذكرت منتديات بحر الهوي ، و مدونة إشارة ، وموقع قناة العربية الإخبارية ، وذكر موقع منبر الحوار والإبداع  أن العام الماضي كانت حادثة الإحراق بسبب الاعتراض على مشاركة الزميلة العزيزة حليمة مظفر في أمسية شعرية مع شاعرين آخرين على الرغم من أن الأمسية غير مختلطة. وجاءت المرة الثانية في الثامن والعشرين من فبراير - كما ذكر موقع نادي الجوف الأدبي - و هذه المرة اعتراض على النادي كله وليس ناتجاً عن حضور اسم أو اسمين. سبق هذا الإحراق بأيام قليلة إلغاء محاضرة للدكتور سلطان القحطاني حول النقد النسوي، ويبدو أن ذكر لفظة المرأة يثير الحساسية الذكورية لدى البعض مما يجعله يحرض على عمليات تستهدف أشخاصاً بعينهم أو مؤسسة رسمية. في نفس الوقت ألغيت في الجوف أيضاً مناظرة بين الشيخ المعروف الدكتور: محمد النجيمي والزميل العزيز الكاتب الدكتور: عبدالرحمن الحبيب حول المسرح. وجاءت الصدمة الأكبر على المثقفين عندما أفصح رئيس النادي إبراهيم الحميد عن تلقيه رسائل تهديد بالقتل والتصفية قبل الحادث بنصف ساعة بحسب بيان النادي الذي أورد أن رسالة الجوال نصت: "هل تعلم أن قتلك حلال بإذن الله خلال ساعات قليلة وراح تقتل كما قتل جارك حمود وربعه"، وفيما لم تفصح إدارة الدفاع المدني بالجوف عن الأسباب تصاعدت احتجاجات المثقفين والمثقفات ووصمت التطرف بالتهمة الرئيسية والانغلاق والتهجم على مرافق حكومية رسمية تعمل وفق منظومة حكومية ونظامية ومطالبة بالعقوبات الأقسى على المتسببين.  ونتج عن ذلك الفعل الإجرامي حالة غليان في أوساط المثقفين السعوديين ، فمن جهتها أكدت الكاتبة والشاعرة حليمة مظفر للعربية.نت أن "ما حصل في نادي الجوف مؤسف جدا خصوصا في تكراره بعد مرور عام وشهر". وأضافت حليمة أن من الأسباب الحقيقية في تكرار الجريمة هو أنه لم نسمع رغم توقعاتنا بمحاسبة لمن تسبب في حدث العام الماضي حيث كان الفاعل مراهق مجرد وسيلة مغرر بها ولأنه لم يحصل الإمساك بمن وراءه ومعاقبتهم فقد تكرر الأمر لغياب العقوبة الرادعة وخصوصا لمن يشحنون أفكار المراهقين، مرور التجربة الماضية بشكل عابر سمح بالجراءة للمرة الثانية وبهذا الشكل المؤسف". وحذرت حليمة مظفر "أكثر ما نخشاه بصراحة ولا يستبعد أن تلقي هذه الحادثة بظلالها على بقية الأندية فتتعرض لها وقد يطال المثقفين والمثقفات الذين هم مواطنون قبل كل شيء ، ثم أن النادي يعمل وفق ضوابط وإشراف حكومي تابع للدولة فبالتالي فالنادي لم يرتكب مخالفة لأنظمة الدولة التي تخضعها للإشراف فهذه عمليه إرهابية تخريبية لمقدرات حكومية، لا بد من محاسبة شديدة لمن يقف خلف شحن المراهقين يجب البحث عن المجرمين الحقيقيين، المحاسبة هي الحل لمن يريد المس بالثقافة والوطن". واعتبرت أن هذا مؤشر بالغ الخطورة "فهؤلاء لا يجدي التعاطف معهم بل يجب معاقبتهم، وعن الفتوى الأخيرة فهي غير مهمة ولا أراها كذلك فهناك ومن قبله هناك من يؤمن بهذا الفكر وينشره ويسفه الآراء والتيارات وكل ما يتصل بالأخر ومن المؤسف أن بعضهم يمارسون التعليم في الجامعات". أكد الكاتب بصحيفة الشرق الأوسط مشاري الذايدي أن ما حدث دليل على أن التيار المشدد في السعودية بدأ يفقد توازنه ويسعى للتغيير بالقوة والتهويل وحاولت قبل ذلك من خلال الاستقطاب والتوقيعات من مئات الأسماء وكذلك الخطب والتهويل للوقوف ضد أي حركة حوار أو تغيير في المجتمع فلما عجزت بدأت تعود لأساليب التكفير والتحريض بالقتل والأذى المادي المباشر". وأضاف "ما حصل هو ليس النهاية لمقدمات مثل حادثة مسرح اليمامة المعروفة ولن تكون النهاية وهذا شيء من ناحية أخرى على أن هناك حركة وحوار في المجتمع وأنه بدأ يتحور ويخرج عن تشددهم وأكثر ما يخشونه هم الحوار لأنه يكشفهم وهؤلاء لا يختلفون عن القاعديين فهي نفس الأساليب وهذا ليس سوى نوع من أنواع الإرهاب .

    ومن جانبها قالت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان اليوم ، أنه ينبغي على السلطات السعودية أن تعلن بوضوح موقفها من دعاة التشدد والكراهية في السعودية ، وأن تعلن عن نتائج التحقيق في تعرض نادي الجوف الثقافي للحرق للمرة الثانية ، بعد نحو عام من تعرضه للحريق في بداية عام 2009 ، على خلفية نشاطه الثقافي واستضافته لمثقفات وأديبات سعوديات. وقال المدير التنفيذي للشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان” في بلد تعتقل فيه وزارة الداخلية الإصلاحيين وتسجنهم دون تحقيقات أو محاكمة، وينجو فيه المتشددين من العقاب رغم إحراقهم لنادي ثقافي بسبب استضافة أديبات وكاتبات ،فالمستقبل يصبح مظلم في هذا البلد “. وأضافت الشبكة لا يعد حريق نادي الجوف مرتين هو الدليل الوحيد على تسامح وزارة الداخلية السعودية مع المتشددين ودعاة الكراهية ، بل أن مصادرة العديد من الكتب مثل” السياسة والقبيلة لكاتب محمد بن سنيتان، ومدخل إلى القرآن للمفكر محمد عابد الجابري، ورواية ترمي بشرر الفائزة بجائزة البوكر العربية لعبده خال” من معرض الرياض للكتاب الذي انتهي قبيل أيام على يد هؤلاء المتشددين بكشف بوضوح عن تنامي مناخ العداء لحرية الفكر والتعبير نتيجة هذه الحالة من التسامح بين دعاة الكراهية ووزارة الداخلية السعودية.