تصاعد خطاب التطرف: تكفير مناضلة جزائرية

 

     في كل أرجاء الوطن العربي عاد خطاب التطرف والكراهية ليطل بشكل سافر، ويتصاعد الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين علي خلفية كل القضايا الاجتماعية التي ينخرط فيها الطرفين في مجتمعاتهم. وتحتل قضايا المرأة وتطبيق الشريعة والتفسير الديني لقضايا الصراع السياسي صدارة المشهد . ويستخدم التيار الديني المتطرف في تلك الصراعات لهجة حادة ، عنيفة ، وتكفيرية .

    وفي هذا الصدد تشهد الجزائر الآن تصعيدا شديدا بين الإسلاميين المتشددين والعلمانيين علي خلفية قضايا متعلقة بتطبيق الشريعة ، وأوضاع المرأة ، وتطور الأمر إلي الحد - حسبما ذكر المدونة الخاصة بالكاتب والصحفي منصور الحاج علي موقع أفاق ، ومنتديات كريزي مان  ، والعديد من المواقع الإخبارية مثل موقع محيط ، اتهام الشيخ بوعمران رئيس المجلس الإسلامي الأعلى التابع لرئاسة الجمهورية الجزائرية والذي يتولى عمل مفتي الجمهورية، زعيمة حزب العمال لويزة حنون بمعاداة الإسلام ، داعياً إياها إلى التوبة وعدم التدخل في شؤون لا تفقهها، في حين أنحى جلول جودي الذراع الأيمن لحنون، باللائمة على الشيخ بوعمران لأنه لم يكلف نفسه عناء الاتصال بالسيدة شخصياً لمعرفة موقفها الحقيقي مما نسب لها عبر الصحف ... ويأتي هذا في سياق ما تشهده الجزائر من حرب بين الإسلاميين والعلمانيين حول اثنتين من أكبر القضايا الخلافية بينهما وهما قانون الأسرة وعقوبة الإعدام. ووصف مفتي الجزائر ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى زعيمة حزب العمال السيدة لويزة حنون بـ"الكافرة"، ونصحها بالتوبة إلى الله. وأثار ذلك الوصف الذي جاء في بيان أصدره الشيخ بوعمران غضب العديد من الأحزاب العلمانية بالجزائر، فيما وصفت الصحف الفرانكفونية البيان "بالسخيف".

     وقد بدأ الجدال الذي تشهده الجزائر على خلفية تصريحات نقلتها صحيفة "الخبر" اليومية  الجزائرية على لسان السيدة لويزة حنون طالبت فيه بإلغاء قانون الأسرة الذي اعتبرته قانون "رجعي وغير عملي وساهم في هضم الكثير من حقوق المرأة". وقالت حنون إن الحديث عن الشريعة الإسلامية يعتبر ضروريا فقط في المسائل المتعلقة بالمرأة في الوقت الذي تترك فيه قضايا مصيرية رهن النهب، والفساد، على حسب تعبيرها. و أضافت "الذين يتكلمون عن الشريعة الإسلامية لا تهمهم التمنية ولا تقدم الشعب بقدر ما تهمهم نقل المجتمعات إلى زمن الناقة لغاية في أنفسهم، وهو ما يتعارض مع الواقع الذي يشهد متغيرات كبيرة لا يمكن لأي دولة أن تدير ظهرها لها". و هاجمت زعيمة حزب العمال المدافعين عن عقوبة الإعدام في الجزائر واصفة إياهم بالوحشيين والرجعيين، وقالت "إن الحياة أمر مقدس ولا يحق لأحد أن يساوم أحد على حياته". واستغلت الأحزاب الإسلامية تلك التصريحات لشن هجوم غير مسبوق على حنون وصل إلى المجلس الإسلامي الأعلى (أعلى هيئة إسلامية في البلاد) لإصدار بيان وصف فيه حنون بالكافرة، وهو البيان الذي انتقدته العديد من الشخصيات السياسية الوطنية والعلمانية، مثلما انتقدته الصحف اليومية التي اعتبرت البيان أشبه بفتوى ذات طابع ساخر على حد تعبير موقع "ألجيري" الفرانكفوني. و جاء في الموقع "إن الإسلاميين الذين هزمهم الشعب يريدون العودة إلى السطح بهذه الطريقة، وأنهم لن ينجحوا في مسح عن ذاكرة الشعب الجزائري سنوات الجرائم والمجازر التي ارتكبوها باسم الدين وذهب ضحيتها أكثر من 300 ألف بريء. وطالب الموقع رئيس الجمهورية بالتدخل شخصيا لوقف هذه المهزلة، في الوقت الذي اعتبر حزب العمال البيان الصادر عن المجلس الإسلامي الأعلى بمثابة "الفضيحة" على اعتبار أنه كان على رئيس المجلس أن يتصل بمقر الحزب لاستيضاح الأمر قبل تكفير زعيمته. من جانبه اعتبر حزب التجمع لأجل الثقافة والديمقراطية على لسان العضو خالد بوراوي أن الشطحات التي يقوم بها الإسلاميين الرجعيين لن تنطلي على الشعب الجزائري، وأن تكفير زعيمة حزب العمال السيدة لويزة حنون بسبب آراء قالتها بكل حرية بمثابة "المسخرة" التي تضاف إلى "مسخرة" الإسلاميين على حد تعبيره.

    والجدير بالذكر أنه قد تشكلت في الجزائر في الأيام الماضية جبهة إسلامية (حركة مجتمع السلم وحركة النهضة والمجلس الإسلامي الأعلى وجمعية العلماء المسلمين) تدعو للإبقاء على عقوبة الإعدام باعتبارها حداً من حدود الشريعة، في مقابل جبهة علمانية (الحقوقي فاروق قسنطيني والدكتور سعيد سعدي زعيم حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية والسيدة لويزة حنون زعيمة حزب العمال). و تطالب الجبهة العلمانية بإلغاء العقوبة تأييداً لمسعى الأمم المتحدة التي عقدت مؤخراً مؤتمراً في العاصمة السويسرية جنيف لجمع التأييد العالمي لإسقاط هذه العقوبة من منظومة التشريع الدولي .

     وعلي صفحات مدونة ALGERIA NOW - علي مدونات مكتوب -  اعتبرت زعيمة حزب العمال، السيدة لويزة حنون، اتهامها من قبل رئيس المجلس الإسلامي الأعلى باتخاذ موقف عدواني ضد الإسلام عندما ساندت إلغاء عقوبة الإعدام ورفضها لإقامة الحدود الشرعية، إلى جانب دعوتها لإلغاء قانون الأسرة، بالانحراف ودعوة للتهجم وانحرافا يذكر بفترة عاتمة، خاصة وأن إبداء رأيها كان في سياق نقاش عام، كما أن الموقف صدر عن مسئول سياسي، أقام حكمه على مقالات صحفية، مستغربة أن يناصر رئيس المجلس أو أي شخص آخر قطع الأيدي أو الرجم. نفت حنون أن يكون حكم الإعدام خصوصية إسلامية، موضحة أنه موجود في الغرب على غرار الولايات المتحدة الأمريكية، التي أعدم فيها العديد من الضحايا الأبرياء، لا سيما الزنوج منهم، كما لجأ المستعمر الفرنسي إلى هذه الممارسة بشكل واسع لاغتيال المناضلين الجزائريين، وتساءلت عما إذا كان موقف الشيخ بوعمران يعزز ادعاءات أولئك الذين ينسبون جميع آفات الكرة الأرضية إلى الإسلام، أولها الإرهاب. وفي ردها على انتقادات الشيخ أبو عمران لموقفها المناهض لعقوبة الإعدام، قالت حنون إنها لا تطمع في منصب مفتي الجمهورية أو منصب رئيس المجلس الإسلامي الأعلى، أو التدخل في شؤونهما ومهامهما، وأكدت أنها تناضل ضد استعمال الدين لأغراض سياسية تخدم تبرير اضطهاد النساء، واعتبرت الإعدام وسيلة وحشية، وأوضحت أن حججها سياسية نابعة من عهدتها السياسية، وتفضل مخاطبة عقول النساء والرجال وليس مشاعرهم الدينية، وتطبيق مبدإ ”العبادة لله وحده والسياسة قضية الجميع”، لتصل إلى أنه ليس من حق رئيس المجلس أن ينصب نفسه موجها للضمائر وإصدار أحكام حول المسائل الشخصية. وذهبت حنون في بيان لها تلقت ”الفجر” نسخة منه، إلى أن فتح فاروق قسنطيني النقاش حول عقوبة الإعدام يعتبر شجاعة، وأنه يحظى بدعم حزب العمال، وقال إن كلام قسنطيني أو مشروعه ليس أمرا شخصيا، بل مشروع مؤسسة اللجنة الاستشارية لحماية وترقية لحقوق الإنسان تنتمي إلى رئاسة الجمهورية مثله مثل المجلس الإعلامي الأعلى، وأن يقوة على مبادرة لرئيس الجمهورية أعلن عنها في 2003 حين أكد أنه يساند إلغاء الحكم بالإعدام، وكان من المفروض أن يحال الأمر على البرلمان في 2004، غير أن ظهور الشيخ أبو عمران عطل الأمر. وعادت زعيمة حزب العمال، التي تتوفر على تكوين قانوني، وتراكمات ممارسة سياسية هامة، إلى خلفيات الجرائم، وقالت إن المشاكل تحل بمعالجة جذورها عن طريق حلول سياسية واجتماعية والعلم، والإعدام لم يكن العلاج المناسب لمنع انتشار الجريمة، كما أنه لم يمنع استقلال الجزائر، مشيرة إلى تجميد الحكم بالإعدام في تطبيقات المصالحة الوطنية من أجل تفادي قتل الأبرياء، وذلك يرفع من شأنها، في حين تعتبر تصريحات الشيخ أبو عمران اقصائية ومشحونة بالعداوة وحاملة لعلاقات نزاع، تضيف حنون. وفي تناولها لقانون الأسرة، باعتبار أحد المواضيع التي تطرق إليها الشيخ أبو عمران في انتقاده لمواقف لويزة حنون، معتبرا إياها معارضة للقيم الإسلامية - حسبه - لم تتردد حنون في وصفه بالظلامي ، وتعديله من قبل النواب يعني أنه قانون لا يمت بصلة الى القداسة، وطالبت بتعويضه بقوانين مدنية مبنية على المساواة تكرس الطابع الجمهوري للدولة، وقالت إن قانون الأسرة اضطهادي وتمييزي ومتناقض مع الدستور وقانون الجنسية منذ مراجعته في 2005، والقانون الانتخابي الذي يكرس المساواة في الحقوق. وذهبت لويزة حنون إلى أن حزب العمال، وبعد استعادة الاستقرار، قرر إعادة فتح النقاش حول مواضيع المجتمع، داعية الشيخ أبو عمران ”إلى قبول النقاش في إطار الاحترام المتبادل والهدوء، وعدم اللجوء إلى حجج من منطلق منصبه، والتي تصب في بوتقة التشويه”.