الصحافة السودانية تحت الحصار

 

      بالرغم من إجراء إنتخابات تعددية في السودان في تاريخه – مع العلم أن تلك الإنتخابات قد زورت لإنجاح البشير – فإن أوضاع العداء للحريات والصحافة مازالت كما هي لم تشهد خطوة للأمام ، وكان البعض قد أعرب عن تفاؤله بتحسن أوضاع الحريات بالسودان بعد إقدام السلطات – مجبرة – علي إنجاز تلك الإنتخابات ، ولكن يبدو أن الهدف الرئيسي لتلك الإنتخابات لم يكن تحسين الأوضاع بالداخل وإطلاق الحريات ، بل كان فقط مغازلة الغرب .

      في هذا المناخ المعادي للحريات ذكر موقع إفهم دارفور  ، وموقع صحيفة أجراس الحرية  ، ووكالة الإنباء السودانية  أنه بتاريخ 9-5 الحالي بدأت محاكمة لكاتب الصحفي الحاج وراق، ورئيس تحرير صحيفة أجراس الحرية فايز الشيخ السليك يوم الأحد المقبل أمام قاضي محكمة الخرطوم شمال لمحاكمتهما في بلاغ من جهاز الأمن الوطني والمخابرات ضدهما بتهمة الانتقاص من هيبة الدولة ونشر أخبار كاذبة، حسب المادة (66) من القانون الجنائي و(24) و(26) من قانون الصحافة والمطبوعات، ويواجه الزميلان عقوبة السجن، أو الغرامة، أو الاثنين معاً. وكانت نيابة الصحافة والطبوعات قد تحررت مع وراق والسليك قبل أيام، حول مقال نشرته الصحيفة تحت عنوان ( الزعيم الحقيقي لا يرضى أن يكون ديوثاً) دعم فيه قرار مرشح الحركة الشعبية ياسر عرمان بمقاطعة الانتخابات ووجه في ذات الوقت انتقادات جريئة للمؤتمر الوطني ومرشحه البشير وممارسات الحكومة في دارفور، في غضون ذلك فتح جهاز الأمن بلاغاً جديداً ضد السليك و(أجراس الحرية) بسبب خبر نشر في مارس الماضي حول (سجون سرية أميركية في 60 دولةً بينها السودان. ووجهت محكمة الخرطوم شمال أمر تكليف للكاتب الكبير الحاج وراق، وفايز السليك رئيس تحرير (أجراس الحرية) بالانابة للمثول أمام القاضي مدثر الرشيد سيد أحمد يوم الأحد المقبل الساعة الحادية عشرة صباجاً ، ويتولى الدفاع عن المتهمين مجموعة من المحامين المرمقوين، والمدافعين عن الحريات والتحول الديمقراطي باعتبار القضية قضية رأي عام.    

    وكان مجلس الصحافة والمطبوعات قد أصدر أمر توقيف بحق صحيفتي (الحرة) و(الأهرام اليوم) ،وان كان الأمر لم يتم تنفيذه إلا ان هذا النوع من الأوامر يشكل احد العوائق في مواجهة حرية التعبير في السودان. وفي السياق نفسه اصدر اتحاد الصحفيين لائحة عقابية تحمل اسم (لائحة مساءلة ومحاسبة الصحفيين)،تتضمن في صلبها اجراءات وعقوبات قاسية ضد الصحفيين، الأمر الذي يجعلها صنواً لقانون الصحافة. ويواجه الصحفيون السودانيون قيوداً قاسية علي حرية التعبير ، وحق الحصول علي المعلومات الذي لايكفله اية قانون سوداني. وتتعدد آليات محاسبة ومعاقبة الصحفيين ، إذ لا تكتفى الدولة بالقضاء الطبيعي أو بالإداري بل تحيط حرية الصحافة بسياج كثيف من المؤسسات العقابية ، فيعاقب الصحفيون وفقاً لقانون الصحافة والمطبوعات ، والقانون الجنائي السوداني ، ولائحة محاسبة الصحفيين ، ولجنة الشكاوي ولجنة محاسبة الصحفيين بمجلس الصحافة ، بجانب قانون الأمن الوطني. قال فايز الشيخ السليك رئيس تحرير صحيفة اجراس الحرية بالانابة والتى لها علاقات قوية بالحركة الشعبية لتحرير السودان الحزب الرئيسي في جنوب السودان ان صحيفته مستهدفة في هجوم على حرية الصحافة. وأضاف السليك للصحفيين يوم الاحد عقب تأجيل النظر في القضية الى 15 يونيو بسبب وجود زميل له متهم هو الاخر هو الكاتب الحاج وراق خارج البلاد ان هذه هي الدعوى الخامسة التى ترفع ضد الصحيفة في الشهور الثلاثة الماضية. وأضاف أن ثلاثا من تلك الدعاوى مرفوعة من قبل جهاز امن الدولة وواحدة من قبل الشرطة وواحدة من الجيش متهما حزب المؤتمر الوطني بزعامة الرئيس السوداني عمر البشير بالوقوف وراء التحرش المزعوم . وقال السليك ان الرقابة خرجت من الباب وعادت من النافذة مضيفا ان السلطات تستغل القوانين القمعية الخاصة بالصحافة والقوانين الجنائية وقوانين الامن الوطني ضد صحيفته.

     وعلي صفحات موقع إفهم دارفور نشر بيان صادر عن مجموعة من الصحفيين السودانيون جاء به : " نعرب عن تضامننا مع الزميلين فايز السليك والحاج وراق في مواجهة البلاغ الكيدي الذي دونه جهاز الامن والمخابرات الوطني بسبب مقال صحفي نشر في صحيفة اجراس الحرية اليومية، ونعلن عن كامل ادانتنا لملاحقة الصحفيين بالبلاغات الكيدية والشكاوي التي تمثل الوجه الآخر للرقابة القبلية، ونعتقد أن الأجهزة الأمنية تريد أن ترهب الصحفيين بالشكاوي والبلاغات والمحاكم حتي يفرضوا علي انفسهم رقابة ذاتية تهدد مستقبل مهنة الصحافة في السودان. الصحافة في السودان تعاني االكثير من المشكلات ، بما في ذلك البلاغات الكيدية والشكاوي وحرب الاعلانات ، وقانون الصحافة واللوائح الادارية التي تعيق حرية التعبير، وعدم وجود تشريع يكفل الحق في الحصول علي المعلومات الأمر الذي يفاقم من التعتيم علي المعلومات ويقلل من الشفافية المطلوبة في ادارة الدولة واالتي تنبني عليها مهنة الصحافة. نحن هنا لنعلن تضامننا مع الزملاء الذين يمثلون الآن امام المحكمة ، ومن اجل الهجمات الهجمات علي حرية الصحافة والتعبير في السودان ، ولنلفت الانظار الي اننا نستشعر بأن هجمة علي حرية التعبير قادمة، لن تقف عند البلاغات والشكاوي والمضايقات الأمنية بل وربما تمتد الي اسكات كل الاصوات التي لا ترتفع بالتطبيل للنظام. كنا في وقت سابق قد اعلنا رفضنا قانون الصحافة ، لا زلنا نؤكد علي ذلك الموقف ونجدد رفضنا للقانون وللائحة اتحاد الصحفيين المعيبة التي سنها الاتحاد لمساءلة ومحاسبة الصحفيين. نقول الآن ان ما يواجهه الصحفيون من مضايقات وبلاغات وشكاوي هي نتيجة ذلك القانون السيئ الذي نطالب بالغاؤه ، كما نطالب اجهزة الأمن برفع ايديها عن الصحف والصحفيين."

     ومن جانبها أعربت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الانسان عن قلقها الشديد من التضيق المستمر من قبل السلطات السودانية علي الصحافة والصحفيين حيث ان محاكمة الصحفيان وراق والسليك اتت بعد يومين من اصدار مجلس الصحافة والمطبوعات قراره الجائر بتوقيف صحيفتي “الحرة” و”الأهرام اليوم” ورغم انه لم يتم تنفيذ هذا القرار حتي الأن الا ان صدوره أتي للضغط علي الصحيفتين وجعلهما دائماً مهددين بخطر تنفيذ هذا القرار , ولما يتوقف الأمر عند ذلك فحسب وانما وصل العداء الواضح الي حد اصدار اتحاد الصحفيين السودانين للائحة عقابية قاسية جداً تحت اسم “لائحة مساءلة ومحاسبة الصحفيين” ليصبح الصحفيين السودانيين محاصريين من كافة الجهات. وطالبت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الانسان منظمات المجتمع المدني العربية والدولية بالضغط المستمر علي الحكومة السودانية للتوقف عن العداء الواضح والشديد لحرية الرأي والتعبير وإيقاف محاكمة الصحفيان وراق والسليك خصوصا وانها لا تنتظر من رئيس هارب من المحاكمة الدولية ومتهم بجرائم حرب ان يتخذ اي خطوة ايجابية في هذا الشأن .