البحرين : مملكة لحصار حقوق الرأي والتعبير

 

       تتدهور حقوق الرأي والتعبير – كأحد أهم ملامح تطور حقوق الإنسان – في المنطقة العربية بشكل مذهل ، ومن النادر أن تجد دولة أو مملكة عربية بمنأي عن هذا التدهور المتسارع والمستمر بشكل منهجي . وتضرب الأنظمة العربية ذات اليمين و ذات الشمال – بلا كلل – في محاولة ناجحة إلي حد كبير لحصار تلك الحريات .

       في هذا الصدد أقدم النظام الحاكم بالحرين – ممثلا في وزارة الثقافة – علي خطوتين لا تندرجان سوي تحت بند التعتيم ، وحصار حريات الرأي والتعبير ، فقد ذكرت مدونة " سنوات الجريش " – تاريخ وتراث البحرين ، ومركز البحرين لحقوق الإنسان ، والشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان  أن السلطات البحرينية – ممثلة في وزارة الثقافة - أقدمت علي منع استيراد وبيع كتاب يوميات المستشار البريطاني السابق لحكومة البحرين تشارلز بلگريف (1926-1957) وهو الكتاب الذي يعد واحداً من أهم الكتب التاريخية التي توثق مرحلة مهمة من تاريخ البحرين ويحتوي على معلومات تنشر لأول مرة. وكان مركز البحرين لحقوق الإنسان قد قام في سبتمبر 2009 بترجمة مختارات من تلك اليوميات التي غطت الفترة من تاريخ وصوله إلى البحرين في عام 1926 إلى حين رحيله عن البحرين عام 1957، ثم قامت إحدى دور النشر اللبنانية بطباعته في لبنان منذ شهر تقريباً. واستوردت دار العصمة البحرينية كمية بسيطة منه -20 نسخة- إلا أن وزارة الإعلام صادرت هذه النسخ وقامت بإبلاغ صاحب الدار عن طريق السيد جمال داوود مدير قسم المطبوعات، بأن الحكومة قررت منع الكتاب ومصادرة الكمية الموجودة منه. يتكون الكتاب من أكثر من 600 صفحة، و هو عبارة عن سرد تاريخي لأحداث وتفاصيل اليوميات التي كان يدونها المستشار السابق، بشكل يومي أثناء عمله كمستشار لحاكم البحرين آنذاك، ومن ثم مستشار لحكومة البحرين. ويسرد فيها تفاصيل مهمة عن مراحل تطور البلاد على جميع المستويات الإدارية، والتعليمية، والصحية، والقضائية. ويذكر فيها علاقته بالحاكم، ودوره في إدارة شئون البلاد. ويعتقد مركز البحرين لحقوق الإنسان أن قرار المنع يرجع إلى سببين رئيسيين، أولهما أن وزيرة الإعلام – ألشيخه مي آل خليفة- قامت في وقت سابق بترجمة ونشر مختارات من يوميات بلگريف بما يتوافق مع توجهات السلطة، وأخفت كل ما ينتقد السلطة الحاكمة في ذلك الوقت، وهو الشيء الذي تجنبه هذا الكتاب من خلال نقل كل الأحداث التاريخية، والسياسية، والحقوقية المهمة التي أشار إليها المستشار في يومياته. ويُعتقد بأن السبب الثاني للمنع يعود إلى بعض التفاصيل الدقيقة والشهادات التي ذكرها المستشار في مذكراته، والتي تعمل السلطة على تغيبها عن الناس، خصوصاً تلك المتعلقة بتوزيع الثروة، والسياق التاريخي للإستحواذ على الأراضي، والتمييز الطائفي الممارس، وكذلك حديثه عن الحركات السياسية المعارضة وأساليب التعامل معها. وتجدر الإشارة إلى أن غالبية هذه الأحداث التاريخية التي أشار إليها المستشار في يومياته تم أعادة كتابتها من قبل السلطة بشكل مختلف عن واقعها، وبعيداً عن النزاهة والأمانة التاريخية التي تتطلبها عملية التدوين والتوثيق. ويُعتقد أن حكومة البحرين تحتفظ بالنسخة الأصلية لهذه اليوميات، لكنها تمتنع عن نشرها. وتم تسريب اليوميات ونشرها فيما بعد في عدة مواقع الكترونية من قبل مؤسسات أو أشخاص غير معروفين. وتعتبر المختارات من الوثائق المهمة في تاريخ البحرين الحديث، والتي لم يتم نشرها من قبل وهي عينة مختارة من يومياته وليست كل اليوميات التي كتبها.

      وقد ولد تشارلز دالريمبل "بلگريف" في عام 1894، واحتل منصب مستشار خاص ومستشار للشؤون المالية لحاكم البحرين الشيخ حمد بن عيسى في عام 1926. درس العربية في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية في لندن، ووصل البحرين في مارس 1926 كمستشار لحاكم البحرين، براتب سنوي قدره 720 جنيه إسترليني. وأصبح مستشاراً للحكومة البحرينية في عام 1933، وهو المنصب الذي شغله حتى رحيله. وقد ساهم في الكثير من الإصلاحات الإدارية الحكومية، فعمل على تحديث تنظيم قطاع الصحة، والتعليم، والجمارك، والشرطة، والجهاز القضائي، والبنية التحتية للبلاد. وقد عبر مركز البحرين لحقوق الإنسان في فبراير الماضي عن قلقه جراء قيام السلطات البحرينية بمنع 25 داراً من دور النشر اللبنانية المعروفة من عرض كتبها في معرض الكتاب السنوي الذي كان من المزمع إقامته في العاصمة البحرينية المنامة في 17 مارس/آذار 2010 وهو الأمر الذي تكرر مراراً في السنوات الماضية. وبناءاً على كل ما مضى يطالب مركز البحرين لحقوق الإنسان السلطات البحرينية بـ: - رفع الحظر المفروض على كتاب يوميات تشارلز بلگريف لأهميته وقيمته في توثيق تاريخ البحرين. - رفع الحظر المفروض عن بقية الكتب او دور النشر الممنوعة . - وقف التضييق الممارس ضد دور النشر والمكتبات من استيراد الكتب التي لا تتوافق مع آراء السلطة.

      وعلي صعيد أخر ذكرت كل من : منتديات الجزيرة توك  ، ومنظمة مراسلون بلا حدود ،  الشبكة الدولية لتبادل المعلومات حول حرية التعبير‏‏ ، ومركز البحرين لحقوق الإنسان ، أن السلطات البحرينية – ممثلة في وزارة الثقافة والإعلام – أقدمت علي تعليق عمل قناة الجزيرة بالبحرين إلي أجل غير مسمي . وبررت وزارة الثقافة والإعلام هذا القرار بأن القناة القطرية لم تحترم القواعد المهنية ولم تمتثل للقوانين الراعية لقطاع الصحافة، موضّحةً أن هذا القرار سيبقى نافذاً حتى التوصل إلى مذكرة تفاهم تقوم بتحديد العلاقات بين حكومة البحرين وقناة الجزيرة. وأكد بيان صادر عن وكالة أنباء البحرين في يوم الثلاثاء الموافق 18 مايو 2010 بأن وزارة الثقافة والإعلام اتخذت قراراً بتجميد نشاط مكتب قناة الجزيرة الفضائية القطرية في البحرين بصفة مؤقتة، وذلك لإخلال القناة بالأعراف المهنية وعدم التزامها بالقوانين والإجراءات المنظمة للصحافة والطباعة والنشر، وأن التجميد سيستمر إلى حين الاتفاق على مذكرة تفاهم تحدد العلاقة بين الوزارة والقناة، بما يحفظ حقوق الطرفين وفق مبدأ المعاملة بالمثل في ممارسة العمل الصحفي والإعلامي في البلدين الشقيقين. وكانت قناة الجزيرة قد بثت في تمام الساعة الخامسة والنصف من عصر يوم الاثنين 17 مايو 2010 حلقة ضمن برنامج الاقتصاد والناس الأسبوعي عن حالات الفقر في دول مجلس التعاون ومن ضمنها فلم وثائقي قصير عن البحرين وقد أجريت مقابلات مع وزيرة التنمية الاجتماعية وعدد من الأسر الفقيرة في البحرين . و يوضح الفيلم التفاوت الطبقي الكبير بين الأقلية الغنية والأكثرية الفقيرة. في حين أن جز كبير من سكان البحرين يعيش في مستوى أو تحت مستوى الفقر إلا أن تناول موضوع الفقر يعتبر من الأمور المحرمة تناولها وتحاول السلطات البحرينية إخفائها عن العالم الخارجي، بل تتحسس كثيرا من الإشارة إليه وترفض أن تتحدث فيه أي قناة تلفزيونية أو مؤسسة أهلية. وسبق وأن أبدت البحرين استياءها لقناة الـ CNN الأميركية نتيجة عرضها فيلماً عن الفقر في البحرين في يونيو 2007. كما تم إغلاق مركز البحرين لحقوق الإنسان في سبتمبر 2004 وسجن مديره التنفيذي نتيجة عقده ندوة شعبية بنادي العروبة أطلق فيها تقرير وفلم وثائقي عن الفقر في البحرين . وينقسم سكان البحرين بين اقليه فاحشة ألغنا وهي أفراد الطبقة الحاكمة آو المحيطين بهم وبين أكثرية فقيرة تكاد تحصل على قوت يومها من المساعدات التي توفرها الصناديق الخيرية أو وزارة الشئون الاجتماعية. وتمارس السلطات البحرينية التضييق على القنوات والوكالات الإخبارية الأجنبية ومراسليها في البحرين من خلال مكتب إدارة الإعلام الخارجي، والذي هو جزء من وزارة الإعلام من حيث الشكل ولكنه في الواقع يعمل جزء مع جهاز الأمن الوطني ( المخابرات). ويرأس هذه الإدارة حاليا الشيخ عبد الله بن احمد الخليفة النائب السابق لرئيس هذا الجهاز الأمني، أما رئيسه السابق فهو الشيخ خليفة بن عبد الله الخليفة الرئيس الحالي لجهاز الأمن الوطني وكلاهما من الأسرة الحاكمة. ويعتبر مركز البحرين لحقوق الإنسان أن قرار المنع هذا أو مطالبة قناة الجزيرة بالتباحث حول مذكرة التفاهم مع حكومة البحرين يعني وضع مزيدا من القيود التضييقية على هذه القناة أسوة ببقية القنوات والوكالات العاملة ومراسليها في البحرين، والتي سوف تودي إلى هيمنة السلطات الأمنية البحرينية والاحتفاظ بسيطرتها على قطاع الإعلام واستبعاد كل البرامج التي لا تتوافق مع سياستها. من الملاحظ انه في حين أن البحرين تمر بظروف متوترة سياسية واقتصاديا وامنيا بين المؤسسة الحاكمة وقطاع واسع من أبناء البحرين والقوى المعارضة ، تخللتها انتهاكات واسعة حقوق الإنسان أشارت إليها عنها غالبية وكالات الإنباء أو القنوات الأجنبية والمنظمات الدولية، إلا أن قناة الجزيرة نادرا ما تنقل أي أخبار عن هذه التوترات أو الانتهاكات الحقوقية التي تحصل بشكل يومي في البحرين وتجنبت الإشارة إليها. وذلك لحذر هذه القناة حسب ما يعتقد على التأثير سلبا على علاقة دولة قطر وهي الدولة المضيفة للقناة مع جارتها البحرين، ولكن مع تقصير هذه القناة في نقل قضايا البحرين إلا إنها تكتسب شعبية واسعة بين مواطني البحرين تفوق كثيرا مشاهدي تلفزيون البحرين الوطني الذي أصبح محل ازدراء وتندر الناس في الصحف المحلية. أن استمرار السلطات البحرينية في التضييق على المؤسسات الإعلامية يتناقض مع التزامات البحرين كعضو في مجلس حقوق الإنسان وطرف في الكثير من الاتفاقيات والعهود الدولية على رأسها العهد الدولي بالحقوق المدنية والسياسية خصوصا المادة 19 منه التي تنص على أن على أن " لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة، لكل إنسان حق في حرية التعبير. ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها".