لبنان الذي كان ديمقراطيا

 

    

اعتدنا القول أن احترام الحريات العامة وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد، من أهم ما يميّز لبنان سياسياً في المنطقة. وتعتبر تلك الحريات حقاً كفله الدستور نصاً وروحاً. لكن اللبنانيين في شكل عام والمعنيين بالتكنولوجيا في شكل خاص كانوا على موعد مع ما لم يعتادوا عليه ، ومع ما يضرب مسلمات لبنان الديمقراطية المتنوعة المتعددة وهو اقتراح قانون جديد لتكنولوجيا المعلومات يضرب بعرض الحائط بما نص عليه الدستور في شأن الحريات العامة ، وأعلن عن قرب طرحه للتصويت في مجلس النواب اللبناني، بعد أن جرت مناقشته في اللجنة الفرعية المنبثقة من اللجان المشتركة، وأُدخِلت عليه بعض التعديلات التي تراعي قوانين البنك الدولي في ما يخص المعاملات الإلكترونيّة مصرفيّاً وتجاريّاً.

      وقد ذكرت مدونات مكتوب  & وموقع جسور " بوابة المجتمع المدني بين الشرق/ الغرب" & ومدونة منصات الإخبارية  نقلا عن الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان  أن البرلمان اللبناني بصدد التصويت علي قانون جديد لتنظيم المعلومات والاتصالات, وهو القانون الذي انتظره اللبنانيون لسنوات. وجاء ما هو مطروح مخيباً للآمال، حيث يتضمن القانون بعض المواد التي يمكن استغلالها في انتهاك الحق في الخصوصية, وتقييد حرية استخدام الإنترنت, والإضرار بالاستثمارات في مجال الاتصالات والمعلوماتية في لبنان . و أحدث القانون المقترح موجة عارمة من الاحتجاجات، خصوصاً لدى النشطاء سياسياً في الفضاء الافتراضي لشبكة الإنترنت، وكذلك أصحاب المواقع الإخباريّة والمدونين الإلكترونيين. واعتبر هؤلاء القانون المقترح يقلّص مساحة التعبير الحرّ لدى الرأي العام. كما اعتبروا انه قانون لكمّ الأفواه، وأن مواده تنتهك الحقوق الشخصية للمواطن اللبناني. وتظهر هذه الانتهاكات في المادة 70 من مشروع القانون، التي تنص على الآتي: «تنشأ بمقتضى هذا القانون هيئة تدعى «هيئة التواقيع والخدمات الإلكترونيّة» تتمتع بالشخصية المعنويّة والاستقلال المالي والإداري، وتمارس الصلاحيات والمهمات المنوط بها بموجب هذا القانون. ويوضع لها تنظيم إداري ومالي بمراسيم تتخذ في مجلس الوزراء بناءً على اقتراح الوزير المختص. لا تخضع هذه الهيئة لأحكام النظام العام للمؤسسات العامة وتخضع لرقابة ديوان المحاسبة المؤخرة». كما نصّت المادة 71 منه على أن يتولى إدارة هذه الهيئة مجلس مؤلف من رئيس وخمسة أعضاء يعينون بمرسوم يصدر عن مجلس الوزراء .

       ويحتوي القانون على مادة أكثر إجحافاً وانتهاكاً للحقوق الشخصية، وتتصل بمهمات «هيئة التواقيع والخدمات الإلكترونية»، وتنص على «بناء قواعد إلكترونيّة عن مقدمي الخدمات المرخصين ومراقبتهم وفق أحكام هذا القانون ومراسيمه التنظيمية...(و) وضع القواعد والمعايير التطبيقية والتفصيلية لحماية البيانات ذات الطابع الشخصي، ومراقبة كيفية تنفيذ هذه القواعد وتلك المحددة في متن هذا القانون لهذه الجهة». وأشتمل القانون أيضا علي مواد مجحفة وتنتهك خصوصية مستخدمي الإنترنت ووسائل الاتصالات التكنولوجية ، فقد منح هذا القانون بموجب المادة “82″ التي نقلت مشروع القانون إلي مستوي أمني حيث منحت الحق لهيئة الاتصالات بالتفتيش المالي والإداري والإلكتروني وأيضا منحها الحق في الحصول علي أية معلومات والدخول لأنظمة التشغيل أو أي أدوات تتعلق بمعالجة البيانات , بما في ذلك “الهارد ديسك” ,

       ويتضح كذلك الطابع القمعي لهذا المشروع من العديد من المواد ، مثل المادة 84 التي تنص على الآتي: «يكلف المراقب والمفتش رسمياً من قِبل («هيئة التواقيع والخدمات الإلكترونية») بأعمال التفتيش إما دورياً أو بناءً على شكوى. ويمكن المراقب أو المفتش الإطلاع على أي مستند مهما كانت ركيزته، والحصول على نسخ عنه، كما يحق له الحصول على كل معلومة أو توضيح يراه ضرورياً، وطلب نسخ مطبوعة عن البيانات والبرامج المعلوماتية، والاستعانة عند الاقتضاء بخبراء بناءً لإذن من رئيس الهيئة». ويظهر مدى أوسع للصلاحيات الأمنية، عند قراءة المادة 87 من القانون المقترح، التي تعطي الحق للهيئة بتعديل شروط الترخيص المعطى لمزوّد خدمة الإنترنت، بما يؤمن إزالة المخالفة، كما يحق لها تعليق الترخيص أو إلغاء العمل به، بالإضافة إلى فرض غرامة مالية تتناسب وجسامة المخالفة المرتكبة. و تحت عنوان «أحكام جزائية في عرقلة عمل الهيئة»، يتضمن الفصل الرابع بنوداً جزائيّة حاسمة، تحاسب من يعطل أو لا يساعد في سير هذا القانون. وبموجب نص هذا الفصل، يعاقب كل من يعرقل عمل الهيئة بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ستة، وبالغرامة من خمسة ملايين إلى عشرة ملايين ليرة لبنانية، وتتمثل العرقلة باعتراض عمل الأعضاء والمفتشين، أو برفض إعطاء معلومات أو بإعطاء معلومات مغلوطة أو ناقصة .   

     وقالت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان إنها في الوقت الذي تعلن فيه عن دعمها لصدور قانون عادل ينظم الاتصالات بلبنان ، فهي تطالب البرلمان اللبناني بعدم الموافقة علي تمرير القانون بحالته الراهنة ، وتنقيته من المواد التي تكبل من حرية استخدام الانترنت ، حتي لا تصبح دولة لبنان كجيرانها المعروفين بانتهاك الخصوصية وعدائهم للحق في حرية استخدام الانترنت ، وهو أحد الحقوق التي ينبغي كفالتها ، وأن تكون القوانين المنظمة لاستخدام هذا الحق ” حرية استخدام الانترنت” مستندة لقاعدة إقرار الحق وتنظيمه ، وليس لتقييده والتضييق عليه. 

        فجر هذا القانون مساحات واسعة من الجدال حول تميز لبنان بخصوصية ديمقراطية من عدمه ، وعن توسع واستفحال صلاحيات الأجهزة الأمنية ، والقوانين ذات الحس والهدف الأمني التي تسحب لبنان باتجاه تطبيق سياسات ، والإقتداء بجيران هم أصحاب أسوأ الخبرات البوليسية والديكتاتورية .