همس الجسور رواية جديدة للكاتب علي المعمري


"همس الجسور" عنوان رواية الكاتب علي المعمري الجديدة التي ستصدر قريبًا عن دار "شرقيات" في القاهرة. تتكوَّن الرِّواية من 14 فصلاً صدَّرها الكاتب بالمثل الظفاري التالي: "راح زمان هو وناسـه/ وجانا زمان هو وفاسـه". والرواية مهداة إلى القاص أحمد الزبيدي، وتدور أحداثها في أماكن عدَّة تبرز من بينها مدينة إستانبول التركية، وبيروت، وكوبا، وبلد الكاتب: سلطنة عُمان. وتتعدَّد شخصيَّات الرواية وجنسيَّاتها إلا أنَّ الكاتب نفسه يمثل إحدى شخصيَّاتها المحورية، عبر سرد يمزج بين السيرة الذاتية والحدث الموجَّه نحو حبكات وغايات. كما تلعب المصادفات دورًا كبيرًا في خلق الأحداث، وإثارة روح البحث والمتابعة والاضطراد لدى الرَّاوي، ومن ثمَّ يأتي التاريخ والعودة بالزمن إلى الوراء كخلفيَّاتٍ لا غنى عنها لفهم حاضر الشخوص ومصائرهم الدراماتيكية- كما هو الحال عند "أبو خلفان" والمرأة الكوبية.

في هذه الرواية يطرح علي المعمري قضايا محلية عديدة تدخل في نطاق المسكوت عنه والمغيَّب والممنوع.
جدير بالذِّكر أن "همس الجسور" تعتبر العمل السابع لعلي المعمري بعد أربع مجموعات قصصية وروايتين نشرت منذ بداية التسعينيات تبعًا للتسلسل التالي: "أيام الرعود عش رجبًا"- مسقط 1992، "مفاجأة الأحبة"- الرباط- 1993، "سفينة الخريف الخلاسية"- بيروت- 1995، "أسفار دملج الوهم"- بيروت- 1997، "فضاءات الرغبة الأخيرة"- القاهرة- 1999، "رابية الخُطَّار"- القاهرة 2003م.
<!--break-->
في ما يلي ننقل جزءًا من فصل "همس الجسور" الأول:

لقد كان أبوخلفان في قمة نشوته عندما عدت بخُفَّي حنين في محاولتي الحصول على مقعد فارغ في الطائرة. وعندما عدتُ إلى مكاني سمعتُه من بعيد وهو يغني أغنية وطنية تُمجِّد مسيرة النهضة. كنتُ في أشد الخوف عليه من أذى المسافرين في تلك اللَّحظة وهو يشدو بصوته المخمور كلماتٍ ليست كالكلمات، فتعوَّذت من اللحظات القادمة، ومن المقعد المجاور لعلّي أحظى بغفوة تُريحني ممَّا أنا عليه من حالة تقضُّ مضجعي. كان أبوخلفان لحظة رجوعي يحاول كشف أوراق مطوية ربما في خبايانا نحن الاثنين، وأنا في الواقع كنت غنيًّا عنها في هذا المقام. وكانت حال الثمالة التي يدَّعيها ويُمارسها تُشعرني بغيوم وضباب تتحرك عكس وجهتنا، أراها مع شقائق الفجر من خلال نافذة الطائرة، وكأننا خارجون من نفق معتم. وحينما أردت قطع ترددي بتلك الحالة سألته سؤالاً مباشرًا هذه المرة عن طبيعة عمله في الجمعية الاستهلاكية، وما هذا المؤتمر الدولي المهم الذي من أجله ضحى بمقعده على الدرجة الأولى؟، لعلي أستوعب ضجيجه وهذيانه، وأتقي شرًّا قد يحدث من راكب يجلس خلفنا عندما سمعته يطلب مني وبشكل حازم إسكات "أبوخلفان"، وإلا انقض عليه بالزجاجات الفارغة التي كانت تتدحرج تحت قدميه. وحينما نبهته إلى سلوكه المزعج والهمجي وعدت به إلى طبيعة مهنته، ومهمته- وحسنًا فعلت وتقبلها أبوخلفان برحابة صدر- قام أبوخلفان- مثلما فعل عند المضيفة- وناولني كارت التعارف، لكن دون أن يسجل عليه رقمه الخاص، وهذه رسالته لي يوجهها عن عمد بأنني لست من الخاصة الذين يعنونه، فوضعته في محفظتي دون أن أقرأ ما يحتويه ويحمله من بيانات، وكأنني أخفي سرًّا من أسرار هذا الكون، بل طلب رقم هاتفي في مدينة إستانبول، لكن ليست لديَّ بطاقة تعارف مثله، ولا يوجد عندي رقم هاتفٍ في تلك المدينة، وهذا ما أخبرته به. لم يصدق ما قلت. قال لي بسخرية: يا أخي لا يوجد لديك رقم هاتف محمول وأنت تقول إنك مقيم، ولا حتى بطاقة، متى تنتظمون؟! متى تتعلمون من اليابانيين والناس الحضاريين هذا السلوك الحضاري؟ متى؟ وأنا أزداد دهشة مما يقول.

- لست مقيمًا، وحالما أصل المطار سيكون لي رقم هاتف، وإنما قلت لك: كنت وما زلت أزور هذه المدينة كلما سنحت لي فرصة. وكي أطمئنه قلت له: لا عليك يا أستاذ أبوخلفان سنجد وسيلة لإتمام لقاء في قلب المدينة إذا رغبت. أخبرني الآن عن جمعيَّتكم الموقرة، وعن المؤتمر الدولي، وهل لديك ورقة ستقدمها لهذا المؤتمر؟ ربما يمكنني الحضور، وسوف أفرح كعادتي لكم بني وطني وأنتم تمثلون الوطن في المحافل الدولية. ضحك أبوخلفان ضحكة مجلجلة، حتى إن مضيفة الطيران نفسها التي أعطاها بطاقة التعارف جاءت لمقاعدنا ظنًّا منها أننا نود أن نشرب مرة أخرى. وبعد أن طلب منها أبوخلفان مثلَ ما كانت تحضره لنا قال لي: ورقة؟ نحن لا نقدم ورقًا، نحن ناس عمليون، لا نحب الثرثرة، وأنا أبحلق بعجب في وجهه بأكمله: نحن نوقع على اتفاقيات نراها تخدم مصالحنا يا أخي الفاضل. الورق والكلام هذان عند الكَتَبَةِ وجماعتك الأدباء، نحن نعقد صفقات ومضاربات ضخمة، ومناقصات عالمية، أخي الفاضل.
- أشكرك على نعتي بـ"أخي الفاضل". وكي أهدئ انفعالاته أكثر وأكثر، وهو يعلمني عن المؤتمرات، أكملت قائلاً بلطف ومودة: بس أنا يا أستاذ أبوخلفان لا كاتب ولا أديب كي لا أنضم لقوائمك وتفهمني خطأ، يعني على باب الله، يوم هنا، ويوم هناك، متى ما وجدتها سانحة، ووفرت مبلغًا للرحلة سافرت، تقدر تقولها: رحالة على قد الحال. قال أبوخلفان وهو يتجشّأ وتخرج من فمه رائحة نتنة: ما أسرعكم في إيجاد مسميات المهن، ومبرراتها. وكأنما يسجل انتصارًا طرواديًّا. ثم عاد من حيث لم تبرد حبائله قائلاً: تصدق لو قلت لك لولا جمعيتنا وجمعيات مثلها ما تمت هذه الرحلة، وأيضا ما تم السفر بسهولة ويسر. ثم قال: الجمعيات الاستهلاكية في العالم أصبحت شيل بلا هيل. وسمَّى جمعيات كثيرة في هذا الكون باللغة الإنجليزية لا معنى لها داخ منها رأسي- غير أن جمعيتنا الاستهلاكية- وهو يؤكدها- ذات طابع عالمي بكافة المقاييس والمعايير الدولية. خذ مثلا: اليوم عصر الغاز، والبترول، والشركات العملاقة، بس الغاز سوف يكون في الصدارة قريبًا، تفهم؟ يعني جمعيتنا تتابع وتلاحق الأشياء التي يستهلكها العالم، والسلع التي تسبب المشكلات الصعبة والمستعصية في هذا الكون. ثم سقط في نوبة ضحك. ظننت أنه سوف يصاب بفتق من جرائها. كنت في واقع الحال، في تلك اللحظة، أتفكر وأفكر في أمر الجمعيات التي تنشأ وتتكاثر لدينا، وقد زاد من دهشتي الفضول لمعرفة نوعية هذه الجمعيات، حتى إنها وصلت إلى بر الحكمان كما يقول أبوخلفان. وانتابني سؤال عن أمور مهمة كهذه، وهو أنه أين كنتُ أنا غائبًا ومُغيَّبًا طوال تلك الفترة؟

لم يكن أبوخلفان وهو في تجلياته يريد أن يجاملني حينما عرض عليّ الإقامة في فندق" ردز" على حسابه في قلب تقسيم وهو ذو السبع نجوم، وإنما كان يريد مني أن أعي وأعرف أين يقيم الناس المهمون في هذه المدينة بالرغم من هذا الخطأ الفادح الذي يرتكبه، فهو من خلال معرفته الشحيحة عن الإقامات والفنادق لا يعي أن في هذه المدينة فنادق وإقامات غير معلنة، حالها حال البضاعات الثمينة التي تهتم بها جمعيته الاستهلاكية في هذا الكون، لها زبائن خاصة وغير مسجلة في كتب السياحة، ولكل منها ميزة في نوعيات خدماتها تختلف عن غيرها من الإقامات في الأستانة، مدينة محمد الفاتح والتي لم يستعص عليه دخولها. كان أبوخلفان وكأنه يمنحني فرصة كي أتهيأ لسماع ما يود إخباري به، وهو يرتشف جرعة من العلبة التي يضعها على طاولته. وبعد أن تنهد نطق بالكلام قائلاً: شوف يا أخي هؤلاء ربعكم غير وطنيين، ولا تعرف لهم ملة، أول ما يفعلونه الطيران على أمريكا، يا أخي أنا ذهبت إلى أمريكا، لكنني عدت إلى وطني. قاطعته قائلاً: ربما أمريكا سوف تأتيك إلى عمان! لا تخف بس هدئ من روعك، ثم لماذا أنت منزعج! نحن الآن في طريقنا إلى إستانبول وليس إلى واشنتون. كفاية "هالي بورتن" وجماعاتها، وبنات عمها على البلد. وما أن سمع جملتي الأخيرة حتَّى استشاط غضبًا وانقضَّ وقال بتعجب: شايف كيف أنتم لا تحبون الخير للوطن؟!، ومنزوعة منكم العزة والكرامة! وهو يتجشأ بكمية كبيرة من جرعات البيرة التركية في وجهي، بل وقريبًا من أنفي، واضعًا إصبعه على عيني، ومنهيًا كلامه بغضب شديد فيه تحقير: تأدَّبْ يا أخ، والزمْ حدودك. احترم مولانا يا ولد! لأنه الذات العليا للبلد، وعصر نهضتها.
-وأنت يا "أبوخلفان" حينما تحكم في الهواء على البشر بأنهم غير وطنيين، وخونة، يهربون مهرولين إلى أمريكا، ولا يحبون الخير لبلدهم، وما عندهم كرامة... هل جلست إليهم وعاشرتهم، والا بس سمعت قيل وقال؟ وأنا أبحلق في وجهه ببلاهة: أخي أبوخلفان هذه النكات لا تنفع لرحلة طيران. دعنا نتحدث مع بعضنا بعضًا، واترك الذات العليا في حالها، وأظن أننا على وشك الوصول.
غير أن ذعرًا بدأ يتلاشى كنت أقرأه من خلال تقاسيم وجهه المصاب بالخوف والثمالة، وأنا أكمل له الحديث قائلا: وحسب معرفتي بهؤلاء البشر- أي الكتاب والأدباء يا أستاذ أبوخلفان- فهم وطنيون وليسوا خونة كما أنت تظن وتعتقد. هؤلاء ربما واتتهم الفرصة حينما وجدوا أن حسابات البيدر والحقل غير متكافئة، وأن هنالك في المؤسسة خللاً قاتلاً، لا أحد يودُّ أن يسمع ويصلح الخراب، بل ومبدأ النهب شريعة يؤمنون بها، والدليل واضح على من حُكِمَ عليه بتهمة عدم الأمانة والمبالغة في السرقة، والانحراف، وهم كثر في سجن الرميس. واعلم يا أستاذ أن رئيس مجلس إدارة جمعيَّتك واحد من هوامير البلد المعروفين، ويُشار له من بعيد بأنه واحد من زعماء المافيا في بلدنا المنهوب. أنت يا أستاذ أبوخلفان وغيرك اخترَعُوا لكم نظارات وسماعات خاصة، وأرادوا من هذا الاختراع أن تروا وتسمعوا ما يريدون أن تسمعوا وتروا، وأنت منذ سنوات على ما يبدو لم تتعمق في قراءة ضواحي المدينة، ولم تزر الريف وقراه؛ كي ترى ما عدالة الواقع الذي تحياه الآدمية في عصر النهضة. وأنت ترى ما يريده المهندس في المدينة، ومع ذلك كل أنواع التخبط والغباء متوافر بكثافة في تلك الرؤية التي تراها وتعيشها، فهل نحن غير وطنيين وخونة حينما نريد أن ننبه إلى الفساد والمحسوبية وتغيُّب بعض المقومات الإنسانية السامية والجميلة، وغيرها من آفات أصابت الزرع والضرع؟. قل لي بربك: أليس ظلمًا وبهتانًا أن تنام جوعًاً بطون وعقول شابة لديها مؤهلات علمية وأدبية وهي كوادر جاهزة ومهمة وبكافة المقاييس، ولكنها جائعة وعاطلة، بحثت عن مصدر لقوتها حتى فقدت الأمل في الحصول على فرصة العيش في وطن عصر النهضة. أنت تعرف يا أبوخلفان ما ثروات هذا الوطن، وتعرف كيف تصرف وتهدر تلك الثروات، وبعدين يا أخي أنت ما في شي شايف في هذا البلد ماشي غير صحيح غير هؤلاء البشر؟! يا الله عد معي: البنية التحتية، بنية المؤسسة نفسها، العدالة الاجتماعية، تعدد الممارسات السياسية، والحريات الشخصية، وأشياء كثيرة يا أبوخلفان يعرفها القاصي والداني، فهل من مزيد مع هذه البيرة التركية!

كان أبوخلفان قد استسلم لوجه وبسمة المضيفة التي جلبت لنا البيرة والإفطار في تلك اللحظة، وهي نفس الفتاة التي أعطاها بطاقته وبها رقمه الخاص، وكنت في واقع الأمر أود من أبوخلفان أن يتركني وشأني، فما لقيصر لقيصر، وإنما ما توصلتُ إليه أخيرا من نتيجة في حياتي عن هموم الوطن هو الدوران. ولولا إيمان مولانا جلال الدين الرومي الذي كان يشدني في الوصول إلى مخرج من الحياة المسدودة والمغلقة أمام عيني بواسطة الدوران من أجل فك كربتي ما كنت بعد أتنفس الحرية. ومع أنه إلى الآن ذلك الدوران حينما أبدأ به لا يصل بي إلى نتيجة حتمية في معظم الأحيان.

سألني أبوخلفان ونحن نتناول وجبة الإفطار- الخفيفة التي تقدم عادة على رحلات الطيران- إن كان أحدٌ سيكون في استقبالي في المطار. أجبته دون تردد بأنني منذ بدأت الدوران في هذه الدنيا لم يكن أحدٌ في استقبالي ووداعي. وكنتُ أيضًا أترك المدن والبلدان والقارات مسافرًا وراحلاً، وأصل إليها راجعًا دون مستقبلين أو مودعين. لقد وجدها أبوخلفان فرصة سانحة لتقديم عرضه مرة أخرى بتكفله بنقلي إلى قلب المدينة، أو أي مكان أقيم به في إستانبول من مطار أتاتورك الدولي، لأنه قال وهو يتكلم كشخصية مهمة إن قسم العلاقات العامة في المؤتمر سيرسل إليه عربة تنقله من المطار إلى الفندق، وسوف تكون وسائقها في خدمته طوال انعقاد المؤتمر. وكان إصراره على ذلك واضحًا. ولم يمنحني فرصة للاعتذارعن مصاحبته بعربة الضيافة التي سوف تقله بعد نزولنا مطار أتاتورك الدولي. وأثناء ما كنا بانتظار حقائبنا مع بقية ركاب الرحلة كان أبوخلفان قلقًا من هذا التأخير لعدم وصول الحقائب على الحزام الكهربائي، فأخبرته أنني قرأت إعلان نقابة الشغل ونحن نمر من قسم الجوازات يخبر عن سبب إضراب نقابة العمال كلها في تركيا هذا اليوم على ضعف أجورهم المتدنية، وتردي أحوالهم المعيشية، وقد شمل ذلك الإضراب عمال المطار، لكنه لا داعي للقلق، هنالك دائمًا حلول للمشكلات خاصة في هذا المطار. ولم أبح له ونحن نضع حقائبنا على عربة دفعناها أمامنا بأن بعضًا من الشركات في مثل هذه الظروف تلجأ إلى اليد العاملة في السوق السوداء لحل مشكلاتها، ولا أعرف ما مدى شرعيته في بلد كهذا البل