مشاهد حيّة من الانتخابات الرئاسيّة المصريّة

مشاهد حيّة من الانتخابات الرئاسيّة المصريّة

 سامي نصر


عاشت مصر في الفترة الأخيرة تجربة فريدة من نوعها، فلأوّل مرّة في تاريخها تجرى انتخابات رئاسيّة سمح للأحزاب السياسيّة بخوضها ومنافسة سلطة الرئيس حسني مبارك وهيمنته.
وقد برزت على الساحة السياسيّة والإعلاميّة تسعة أحزاب سياسيّة معارضة في وجه الرئيس مرشّح الحزب الوطني هي: (حزب الوفد الجديد ومرشّحه نعمان جمعة، حزب الغد ومرشّحه أيمن نور، حزب التكافل، حزب مصر العربي الاشتراكي، الحزب الاتحادي الديمقراطي، حزب الأمّة، حزب الوفاق القومي، حزب مصر 2000، الحزب الدستوري الاجتماعي الحر)
وما جعل الأجواء الانتخابية تكتسي طابعا متميّزا، خاصة على الساحة الإعلاميّة والسياسيّة هو مواكبة أكثر من ألفي صحفي أجنبي لهذه التحركّات، ممّا جعل التنافس الفعلي ليس على تقديم البرامج الانتخابيّة بقدر ما كان على اهتمام الإعلاميين.
فكيف كانت حظوظ الأحزاب السياسيّة في وسائل الإعلام المصريّة المملوكة للدولة والخاصة؟ وكيف تفاعلت الساحة السياسيّة والإعلاميّة مع هذا الحدث؟ وماذا مثّلت الانتخابات بالنسبة للشارع المصري والمواطن العادي؟ وإلى أي مدى التزمت الحكومة المصريّة بوعودها المتعلّقة بالنزاهة وحريّة الإعلام والتكافؤ في الفرص؟

الإعلام المصري بين هامش الحريّة وضغوطات الحزب الحاكم
تتميّز الجمهوريّة المصريّة بتطوّر إعلامي قلّما نجد له نظيرا في دول عربيّة أخرى، فبمجرّد الوقوف أمام أي كشك لبيع الصحف تدرك مؤشرات هذا التطوّر: عدد ضخم من الصحف والمجلاّت، أسماء لصحف ومجلاّت تحرّك فضول الواقف أمامها مثل جريدة "الفضيحة" أو "صوت الأمّة"... مقالات صحفيّة يبهرك عناوينها في الصفحات الأولى مثل "الفلاح الذي قابله مبارك في المنيا يعمل بوزارة الداخليّة..." أو "قضاة في ذمة الله.. أعضاء في لجان الإشراف على الانتخابات !!" أو "قضاة موتى ومسجونون يشرفون على الانتخابات "نحن ننشر أسماء القضاة المغضوب عليهم من الحكومة" أو "فقر.. بطالة.. تبعيّة.. استبداد.. فساد.. ديون مصر 630 مليار جنيه.. والبنود سريّة بالمليارات!" أو "أسرار مسرحيّة 7 سبتمبر"...
مثل هذه العناوين لمقالات في الصفحات الأولى تجعلك تشعر فعلا أنّك في عالم آخر غير العالم العربي وخاصة إذا كنت تونسيّا... فلا وجه للمقارنة بين.
وقد أكّد لنا العديد من العاملين في نقاط بيع الصحف والمجلاّت أن الصحف الأكثر انتشار في مصر هي "الأهرام" و"الجمهوريّة" و"الأخبار"، أي الصحف المملوكة للدولة، وفي المقابل ومع الحملة الانتخابيّة أصبحت العديد من الصحف تشهد درجات عاليّة من الإقبال ونخصّ بالذكر تلك الصحف المتميّزة بجرأتها وانتفادها للحزب الحاكم ولمرشّحه حسني مبارك ومن بين الصحف الحزبيّة نذكر صحيفة "الغد" (التابعة لحزب الغد) وصحيفة "الوفد" (التابعة لحزب الوفد الجديد)، ومن بين صحف الأحزاب المقاطعة للانتخابات والتي زاد الاقبال عليها نذكر، صحيفة "العربي" (التابعة للحزب العربي الديمقراطي الناصري) وصحيفة "الفضيحة" (التابعة لحزب التجمع). أمّا النقلة النوعيّة الحقيقيّة في درجة الإقبال الجماهيري فكانت في الصحف الخاصة مثل صحيفة "الدستور" هذه الصحيفة التي حجبت من الأسواق منذ 1998 نتيجة جرأتها وتوجّهها النقدي ولم يسمح لها بالعودة إلاّ مؤخرا (قبل الانتخابات بحوالي 6 أشهر فقط)، وكذلك صحيفة "نهضة مصر".
هذا الانبهار بالملامح العامة للإعلام المصري جعلني أشعر منذ البداية أنّ مشاركتي ضمن فريق عمل لمراقبة الإعلام المصري أثناء الحملة الانتخابيّة سوف لن يكون بالأمر الهيّن، وسوف نحتاج إلى تقنيات عاليّة للمراقبة والرصد غير تلك التي استعملناها أثناء مراقبة ورصد الإعلام التونسي في أكتوبر 2004

لهفة الإقبال على الصحف يقابلها عزوف عن البرامج التلفزيّة
من الملاحظات الهامة التي سجّلناها أثناء رصدنا للإعلام المصري خلال الحملة الانتخابيّة الأخيرة هي كثرة الإقبال على وسائل الإعلام المكتوبة ، إذ تكفي ملاحظات عابرة للتجمعات البشريّة أمام نقاط بيع صحف ومجلاّت مساء كل يوم للدلالة على هذا الإقبال. كما صرّح لنا العديد من العاملين في أكشاك البيع أن نسبة البيوعات خلال فترة الانتخابات تضاعفت بشكل واضح، إذ على الرغم من ضعف القدرة الشرائيّة للمواطن المصري إلاّ أنّه أصبح لا يكتف بشراء صحيفة واحدة بل وصل معدّل شراء الفرد الواحد الـ5 صحف يوميّا. ومن بين الدوافع الرئيسيّة لهذه الظاهرة هو أنّ الفضائح الحكوميّة وانتقادات السلطة والرأي المخالف لما تروّج له السلطة الحاكمة طيلة الـ24 سنة تحوّلت إلى أهم مادة اخباريّة تستهوي المواطن المصري، وعلى هذا الوتر لعب مرشّح حزب الغد الأستاذ أيمن نور...
أمّا بالنسبة إلى القنوات التلفزيّة التي حاولت بدورها تغطيّة جلّ تحرّكات المتنافسين على الرئاسة ومواكبتها، فإنّنا سجلنا عزوفا ولامبالاة تجاهها، إذ في نطاق مراقبتنا ورصدنا لتفاعلات الشارع المصري استهدفنا التواجد في الأماكن العموميّة (المقاهي) أثناء الفترات المخصّصة لبث تحركات الأحزاب السياسيّة، وما لفت انبباهنا هو العزوف وعدم الاكتراث بما يبث. فرغم أهميّة درجة حظوظ المترشّحون في في أهم القنوات المصريّة (الأرضيّة والفضائيّة) إلاّ أنّ المواطن المصري كان يفضّل تتبّع شؤون الأحزاب السياسيّة وما يصرّحون به وما يقال عنهم عبر وسائل الإعلام المكتوبة أكثر منه عبر القنوات التلفزيّة...

فهل من مبرّرات لهذا العزوف؟
من الأسباب الرئيسيّة الكامنة وراء هذا العزوف حسب نتائج المرصد الإعلامي والملاحظات الميدانيّة المباشرة للمجتمع المصري يمكن أن نذكر على الأقل سببين رئيسين:
السبب الأوّل: يكمن في الحياد الجاف للقنوات التلفزيّة، وهو ما تضمّنه تقرير المرصد الإعلامي (حسب النتائج الإحصائيّة) حيث سجّل فريق العمل تقاربا بين كل المترشّحين في الحصص المخصّص لهم وفي المدّة المخصّص لتغطيّة الحملات الانتخابيّة، ولكن هذا الحياد تميّز بالجفاف وغابت فيه الحركيّة السياسيّة، بسبب الالتزام المفرط بقانون الانتخابات الرافض لكل أشكال النقد خوفا في الوقوع في المحظور (الثلب، المسّ بكرامة المرشّحين...)، فمثلا من بين ما تنصّ عليه المادة 21 من القانون رقم 174 لسنة 2005 على: "يجب الالتزام في الدعاية الانتخابيّة بأحكام الدستور والقانون وبقرارات اللجنة والقواعد الأتيّة:
(1) عدم التعرّض لحرمة الحياة الخاصة لأي من المرشحين.
(2) الالتزام بالمحافظة على الوحدة الوطنيّة، والامتناع عن استخدام الشعارات الدينيّة.
إضافة إلى ذلك منعت الحكومة إجراء مناظرات سياسيّة بين المترشّحين، رغم رغبة المترشّحين في ذلك مثلا المرشّح أيمن نور الذي طلب في أكثر من تصريح له بضرورة بإجراء مناظرة بينه وبين مرشح الحزب الوطني (الرئيس المرشّح حسني مبارك).
السبب الثاني: يكمن في الانحياز الخفي والذي لا ترصده نتائج المراقبة الإحصائيّة، بحيث حاولت السلطة تطبيق مبدأ المساواة النسبيّة بين المترشّحين من حيث المدة الزمنيّة المخصّصة لكل مرشّح واقتربت كثيرا من الحياد، إلاّ أنّها انحازت بصفة كلّية للحزب الحاكم في كيفيّة تغطيّة تحرّكات المترشّحين، فتغطيّة مؤتمرات المرشح مبارك تضمّنت كلامه المباشر وتعليق الصحفي وأيضا أهم الشعارات المكتوبة المساندة له، وركّزت كثيرا على تفاعل الجمهور معه سواء عبر التصفيق أو رفع الشعارات، في حين اقتصرت كاميرا التلفاز بالنسبة للمثلي الأحزاب المعارضة على وجه المرشّح فقط وعدم بثّ صور الجمهور أو الشعارات المكتوبة أو الشعارات المرفوعة، وهذا من شأنه أن يعطي صورة مغلوطة عن حقيقة تلك المؤتمرات... وهذا نوع من التأثير والتوجيه غير المباشر للقنوات التلفزيّة المصريّة.

ماذا وراء سكوت السلطة عن بعض المقالات؟
من الصعب جدّا العثور على جواب واضح وصريح على سكوت السلطة الحاكمة في مصر عن بعض ما ورد بالمقالات الصحفيّة وخاصة المتعلّقة بملف الفساد والتزوير، وبطلان الاستفتاء وكل ما يترتّب عنه. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ النصوص القانونيّة الواردة خاصة في قانون رقم 174 لسنة 2005 والمتعلّق بتنظيم الانتخابات الرئاسيّة وأيضا القانون رقم 96 لسنة 1996 والمتعلّق بتنظيم الصحافة تضمّنا العديد من الفصول القانونيّة المقيّدة لحريّة الصحفيين والمرفقة بعقوبات زجريّة. كما لا ننسى قانون الطوارئ الذي يخوّل لسلطة الدولة إصدار تعليماتها لمنع مثل هذه المقالات باسم الحفاظ على الأمن والاسقرار... ومع ذلك اتسمت العديد من الكتابات الصحفيّة بالجرأة، وأصبحت فضائح السلطة الحاكمة إحدى أهم المواضيع التي يتراهن عليها الصحافيّون، بل اعتمد البعض منهم على أسلوب الدعاية المضادة للحزب الحاكم ولرئيس الجمهوريّة، فعندما قام مرشّح الحزب الوطني حسني مبارك بزيارة إلى منطقة المنيا أين قابل فلاحا بسيطا وجالسه وتناول معه الشاي، قام الصحفي هاني الأعصر العامل بجريدة "الدستور" بزيارة ميدانيّة لنفس المكان الذي زاره الرئيس المرشّح ولكنّه لم يجد "العشّة" كما لم يجد العم فتحي ومن بين ما ورد في مقاله "... وعندما وصلنا إلى مكان العشة لم نجدها ولم نجد عم فتحي ولا الست سعديّة زوجته" وبعد الاتصال بالعديد من متساكني هذه المنطقة قابل العم فتحي وعلم أنّ العشة وقع بنائها خصيصا لتلك المقابلة وأنّه هذا الفلاح الذي قابله الرئيس بالصدفة لم تكن صدفة ولم يكن فلاحا بل هو موظف يعمل بوزارة الداخليّة !!

فما سبب سكوت السلطة على مثل هذه المقالات الصحفيّة؟
من أهمّ هذه الأسباب:
- المراهنة على الإعلام المنحاز للحزب الحاكم، ونقصد بذلك أكثر الصحف شعبيّة في مصر وهي الأهرام والجمهوريّة والأخبار وخاصة روزاليوسف، حيث قامت الصحف الثلاثة الأولى بدور المدافع على الحزب الحاكم في حين قامت مجلة روزليوسف بدور المشوّه للأحزاب المعارضة وخاصة لمرشّح حزب الغد.
- المراهنة شبه الكليّة على القنوات التلفزيّة لأنّها قادرة على اقتحام كل البيوت وكل الشرائح الاجتماعيّة وكذلك على الإعلانات والشعارات المساندة للحزب الحاكم في الفضاءات العامة والخاصة.
- توظيف النصوص القانونيّة وسلطة الدولة بالدرجة الأولى لضرب القوى السياسيّة الداعية لمقاطعة الانتخابات، لأجل ذلك حرمت هذه القوى بكل الأشكال من الظهور على وسائل الإعلام الرسميّة.
- حساسيّة المرحلة التي تمر بها البلاد وخاصة كثرة عدد الصحافيين والمراسلين الأجانب، الشيء الذي جعل الجمهوريّة المصريّة محل أنظار كل المراقبين والإعلاميين، وهذا طبعا يجعل السلطة الحاكمة غير قادرة على منع مثل تلك الكتابات الصحفيّة.

http://www.kalimatunisie.com/article.php?id=70