"المهدوية" ورقة جديدة لتدمير العراق

شجعت الفوضى الأمريكية الخلاقة التي تبنتها إدارة الرئيس جورج بوش في العراق منذ احتلاله عام 2003، ظهور العديد من المجاميع الدينية والسياسية الشاذة والمنحرفة التي زادت من زعزعة أمن واستقرار البلد، وترسيخ ثقافة النكوص للخلف وتغليب الماضي على الحاضر لزيادة العمل في تخلف المجتمع العراقي.

ونتيجة لذلك فقد ظهرت في العراق طوال السنوات الماضية العديد من المجاميع "المهدوية" نسبة إلى المهدي المنتظر في الفكر الإسلامي، عملت على محاربة كل ما هو اجتماعي وإنساني وحضاري وديني، مستغلة الفراغ الأمني الذي يعيشه العراق بعد احتلاله، وأشاعت في الكيان المجتمعي العراقي ثقافة التطرف التي لم يكن يعرفها المجتمع العراقي.

وقد أخذت المجاميع "المهدوية" تلك بالعمل مع غيرها من القوى المتطرفة والإرهابية على تفكيك وتخريب النسيج العراقي الأصيل، بإثارة الحروب الطائفية بين تلك المكونات، وزرع بذور التفرقة بين تلك المكونات، وتوجهت بكل طاقاتها لمحاربة مكونات أصيلة من المجتمع العراقي وإجبارها على ترك مواطنها الحقيقية كالصابئة المندائيين والكلدو ـ آشور، والشبك والشيعة العراقيين بغية إخلاء العراق من أهله وعلمائه وخبراته العديدة، خاصة مع وجود حكومة سياسية ضعيفة ومنشغلة تماما بملاحقة تداعيات الفوضى وحالة الفلتان الأمني في البلد، فضلا عن انشغالها بصراعاتها السياسية على المناصب.

ففي العام الماضي فوجئ الناس بحركة مسلحة أطلق عليها "جند السماء" تزعمها شاب عراقي من محافظة بابل يعرف الكثيرون ماضيه، وما كان عليه من انغماس في متع الحياة ومتطلبات اللذة، وقد ركب الموجة بعد سقوط النظام العراقي السابق وارتدى عمامة دينية زادت أمتارا عدة عما يرتدي رجال الدين المخضرمون، وأطال لحيته وأدعى الارتباط بملائكة السماء جاعلا من نفسه قاضيا لها في الأرض دون أن يكون على شيء من العلم الديني أو الدنيوي، واستطاع التغرير بالشباب البسيط في ظل الفراغ الفكري والأمني الكبير الذي أوجده الاحتلال الأمريكي للعراق. 

وقد تمكن هذا الشاب من تكوين تشكيلات مسلحة بالاستفادة من الموروث الديني وبعض الروايات المبشرة بخروج الإمام المهدي المنتظر، فادعى الإمامة والعلاقة الحميمة بالسماء واستطاع من خلال بعض الأعمال السحرية ابتكار أمور تجعل الآخرين يصدقون روايته ويسيرون خلف رايته، واستطاع بمعونة أطراف خارجية الحصول على أموال طائلة أعانته في إنجاح مخططاته وتمكن من شراء مزارع في ضواحي مدينة النجف جعلها معسكرا لأنصاره وملأها بالأسلحة المختلفة، وأراد أن يجعل من محرم الماضي يوما داميا يحتل من خلاله مدينة النجف المقدسة لينطلق منها إلى المدن الأخرى وبناء دولته الجديدة، ولكن حركته لم يكتب لها النجاح، وقبرت في مهدها بعد حصول الجهات الأمنية على معلومات مؤكدة عن خططه وتحركاته، فكانت نهايته مع أنصاره في معركة استمرت عدة ساعات في منطقة الزركة، وإلقاء القبض على شبكاته الموزعة على مختلف المدن العراقية.  

 

انصار اليماني وشرارة المواجهة

وراجت في وقتها إشاعات عن وجود جماعة تطلق على نفسها أنصار اليماني التي سارعت إلى نفي علاقتها بجند السماء وأنها حركة سلمية دينية تهدف للمشاركة في بناء البلد، وفوجئ الشعب العراقي في العاشر من المحرم هذا العام، بتحرك هذه المجموعة في مدينتي البصرة والناصرية الجنوبيتين، وقيامها بمهاجمة قوات الأمن والشرطة، التي ردت عليها بهجوم مقابل تمكنت خلاله من قتل واعتقال وجرح المئات من أنصار اليماني ولا زالت تطارد الفارين منهم لإلقاء القبض عليهم وتقديمهم للقضاء، وقد تبين ضلوع قوى خارجية في دعمهم حسب تصريح الناطق باسم الداخلية العراقية، في أشارة واضحة إلى دور السعودية التي ثبتت علاقة "جند السماء" بها وتمويلهم من قبلها. 

شرارة المواجهات بين أنصار المهدي وقوات الأمن العراقية انطلقت من مدينة البصرة، حيث أعلنت الحكومة العراقية إن 97 شخصا قتلوا فيما أصيب 117 آخرون واعتقل أكثر من 100 في الاشتباكات الدامية التي اندلعت الأسبوع الماضي بين ما يعرف بمجموعة اليماني وبين القوات الأمنية العراقية في عدة أحياء وسط مدينة البصرة 550 كم جنوب بغداد.

الشرطة العراقية قالت إن حصيلة المواجهات الدامية التي شهدتها البصرة الجمعة كانت 17 قتيلا و117 جريحا في صفوف المدنيين وقوات الشرطة والجيش الحكوميين و80 قتيلا وأكثر من 100 معتقل في صفوف مسلحي جماعة اليماني.

وقد تعرضت مدينة الناصرية خلال فترة المجابهات التي اندلعت بين الحكومة وأنصار اليماني في نفس توقيت اندلاعها في البصرة، إلى أبشع حملة اعتقالات ومداهمات من قبل قوات الحكومة طالت النساء والأطفال والشيوخ.  

تورط الحكومة

مثقفون وأكاديميون في محافظتي البصرة والناصرية حملوا الحكومة مسؤولية ظهور تيارات طائفية متطرفة تستبيح دماء الأبرياء وتعبث بالأمن من خلال تداخل الخنادق وعدم وضوح الرؤى والإحجام عن كشف انحراف بعض التيارات القادرة على صناعة الوهم بين البسطاء من ذوي العواطف الجياشة وخاصة القضية المهدوية في المناطق الريفية والفقيرة التي يغيب فيها الوعي الديني والسياسي.

وأكدوا أن "ظهور جماعة مسلحة متطرفة مبشرة بظهور الإمام المنتظر في وقت واحد بمحافظتين، مستغلة شعائر العاشر من محرم الحرام لم يأت من فراغ بل لا بد أن يكون لديها دعم خارجي ولا بد أن يكون هناك من يحفز مثل هذا التيار لأهداف سياسية، ومن الممكن أن يكونوا مرتبطين بجهات سياسية نافذة في العملية السياسية".

وأشاروا إلى أن هذا التيار "وان كان محدوداً وغير مقبول من الناس لسذاجة ما يدعونه ووضوح كذب ما يفترون على الله ورسوله ثم الأئمة إلا أن ظهوره يأتي لعدم كشف الدولة عن نتائج التحقيقات التي أجرتها بشأن تيار "جند السماء" الذي ظهر في شهر محرم العام الماضي في مدينة النجف الأشرف واكتفت بإعلان مقتل قائد التيار المدعو ضياء كاظم عبد الزهرة الكرعاوي والعشرات من أتباعه، إضافة إلى غياب دور المئات من منظمات المجتمع المدني في تحصين الشباب من مغبة الارتماء في أحضان هذه التيارات".

 

هيكلية التنظيم

وكانت الشرطة العراقية قد اعتقلت أثناء المداهمات ضد أتباع تنظيم "أنصار المهدي اليماني" أكثر من 45 مسلحا من بينهم حسن الحمامي ابن المرجع الديني آية الله الحمامي، والذي أكد خلال حديثه أمام الصحفيين أن التنظيم كان يسعى لاستهداف المرجعيات الدينية في النجف وضرب مواكب العزاء في عاشوراء.

وأضاف الحمامي أن "القوة الضاربة الجهادية مكونة من عشرة آلاف مجاهد وكانت غايتها ضرب المرجعية وضرب العلماء وزعزعة الأمن والاستقرار في البلاد".

وعن الهيكلية التنظيمية والتمويلية لجماعة أنصار المهدي اليماني، قال الحمامي "هناك مسؤولون مختلفون لهذا التنظيم، من مسؤولين للإعلام والمالية ومسؤول للعلمية، وكنت أنا مسؤول الجمعة والجماعة".

أحمد دعيبل الناطق الإعلامي لمحافظة النجف أكد ان تنظيم أنصار المهدي هو امتداد لجماعة "جند السماء" مشيرا إلى وجود تمويل مادي لتنظيم أنصار المهدي من دول مجاورة.

وقال: "من خلال هذه المعلومات التي وردت من غرفة العمليات في رئاسة الوزراء ووزعت إلى هذه المحافظات الثلاث "البصرة والناصرية والنجف" تم إلقاء القبض على 45 من بينهم 15 قياديا وتم العثور على أكداس من العتاد ومجموعة من الأسلحة وعلى مواد شديدة الانفجار من الـTNT  والـ C-4 والعثور على أجهزة تفجير.

وأكد الناطق الإعلامي لمحافظة النجف أن جماعة أنصار المهدي اليماني ضالعة في العديد من العمليات المسلحة ومن بينها تفجير مرقد الصحابي طلحة بن عبيد الله في مدينة الزبير جنوب العراق.

 

تقديس نجمة داود

وكان مدير عمليات وزارة الداخلية اللواء عبد الكريم خلف أكد أن أحمد الحسني الملقب باليماني هو "شخصية وهمية لا وجود لها" وأفاد خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده أثناء زيارته إلى البصرة برفقة عدد من القادة في وزارة الداخلية بأن بعض أفراد التنظيم الذين تم اعتقالهم هم من حملة الشهادات العليا ومن ضمنهم أطباء وأساتذة جامعيون بالإضافة إلى عدد من التجار الكبار.

فيما قال مدير الاستخبارات في وزارة الداخلية العراقية اللواء كمال حسين إن أحد الأشخاص الذين اعتقلوا من جماعة أنصار المهدي اليماني اعترف بأنه شارك في تنفيذ عملية اغتيال اللواء قيس المعموري في محافظة بابل.

وامتنع كمال عن اتهام أية جهة خارجية بدعم هذا التنظيم، لكنه أكد ما يشاع في الأوساط الجماهيرية حول قيام جماعة أنصار المهدي بتقديس نجمة داود ذات الدلالة الرمزية إلى الديانة اليهودية، حسب قوله.

وقال كمال: "نحن ضبطنا بعض المستمسكات لهذه الجماعة وعثرنا على نجمة داود ضمن منشوراتهم، ولكن لا نستطيع اتهام إسرائيل بالوقوف وراء هذه الحركة ورأينا نجمة داوود أيضاً على بعض قطع القماش والتحقيق مستمر بالموضوع بالنسبة إلى الحكومة، يجب استئصال هذه الحركات، نحن لا نعادي أي فكر تعتقد به شريحة معينة من الشعب العراقي، ولكن عندما يقوم هذا الفكر على أساس العنف وقتل المواطنين والاعتداء على مؤسسات الدولة، لا يمكن القبول به".