حوار مع المفكر اليساري " عبد الغفار شكر "


ا
مصير المواطنة معلق بالتطور الديموقراطي المجهض
لايمكن حل المشكلةالطائفية في غياب تحول شامل
مصر تعيش مرحلة ملتبسة تتعايش بها المتناقضات
 علينا تشجيع "الإخوان " على المراجعات ..وبالضغط أيضا
قوى العولمة تتخذ مواقف متناقضة ومنافقة
على القوى الديموقراطية النضال لتحسين اوضاع الأقليات وألا تكتفى بالحديث عن المؤامرات الخارجية
إسهام اليسار يتجلى في منح المواطنة بعدا اجتماعيا
 

اكارم يحيى
للمفكر اليساري "عبد الغفار شكر " حضوره اللافت بمساهماته الفكرية والبحثية .و في عهد الرئيس الراحل " جمال عبدالناصر " شارك في برامج التثقيف تحت مظلة "الاتحاد الاشتراكي "  وكان أمينا عاما مساعدا لمنظمة الشباب لشئون التثقيف  .وقد أرخ لتجربة "منظمة الشباب" في كتاب صدر عن " مركز دراسات الوحدة العربية " .<!--break--> وللمفكر اليساري اسهاماته في قضايا التطور الديموقراطي و تجديد الحركة التقدمية المصرية والعربية . وهو الآن نائب رئيس "مركز البحوث العربية والأفريقية"بالقاهرة و المتحدث باسم "التحالف الاشتراكي" الذي تأسس صيف عام 2006 . ومع مشاركة " عبد الغفار شكر " في مواقع قيادية بحزب "التجمع" اليساري كما في السابق بالاتحاد الاشتراكي ، إلا انه لم يتخل عن فضيلة النقد و المصارحة ، مما أضفى عليه تقديرا واحتراما لافتين من مختلف التيارات . " الوقت " التقت بالمفكر اليساري في القاهرة  وفتحت معه ملف المواطنة والوحدة الوطنية .

* تعود الكتابات التأسيسية حول الوطن والمواطنة في مصر والعالم العربي عامة الى نحو قرنين من الزمان ، لماذا لم تتحول هذه الإسهامات الفكرية الى ثقافة عامة حية ؟ . ولماذا لم تنجز على أرض الواقع دولا ترعى المواطنة؟
ـ في اعتقادي منذ كتابات "رفاعة الطهطاوي " وغيره من الرعيل الأول الذين  أطلعوا على التطور في أوروبا وقيام دول ديموقراطية على اساس الدستور وسيادة القانون  والمساواة بين المواطنين كان لهذه الأفكار صداها في مصر على نحو خاص .لكن عدم تحول هذه  الاسهامات الفكرية الى ممارسة في أرض الواقع يعود في رأيي الى التطور الديموقراطي المجهض . فمنذ نهاية القرن الثامن عشر و طوال القرنين التاليين تناضل مصر من أجل التطور الديموقراطي ، لكنه اجهض اكثر من مرة و على ارضية اجهاض التطور الرأسمالي المستقل . فتجربة محمد على انتكست ، فالجهود الإصلاحية  الخديوي اسماعيل التي انتهت مع الإحتلال البريطاني  وكذا ثورة 1919 و ثورة 1952 .هذه العلامات الرئيسة في تاريخ مصر انطوت على نمو رأسمالي كان بإمكانه تشجيع التطور الديموقراطي ، لكن سرعان ما كان يجهض بفعل تدخلات خارجية استعمارية . لننظر الى  الثورة 1919 التي وضعت دستورا ديموقراطيا الى حد كبير  وقطعت بنا اشواط على طريق المواطنة ، لكن خضوع مصر حينها للاحتلال البريطاني و لسيطرة كبار الرأسماليين والرأسمالية الأجنبية اجهض هذا التطور الديموقراطي والى ان جاءت ثورة 52 نتيجة لتفاقم الوضع الإقتصادي الإجتماعي و تحول الديموقراطية التي ولدت في ظل دستور 1923 الى ديموقراطية الطبقات الحاكمة والمالكة و ليس ديموقراطية ينعم فيها الناس بالمساواة .
بذور تهميش الأقباط
* هل المشكلة فيما نراه من تراجع المواطنة و الوعي بالوحدة الوطنية  تتعلق بضعف الصلة بين النخب والجماهير ؟
ـ هذا يدفعنا للتوقف بشكل خاص أمام الخمسين سنة الأخيرة .فثورة 52 رغم ما حققته من انجازات إجتماعية كبيرة وتطور اقتصادي مهم  إلا ان قيامها على اساس استبعاد الناس من السياسة وقصر العمل السياسي على حزب واحد حاكم أدى الى ظواهر من بينها احتكار الدولة الحديث باسم الدين وفي مقابلها جماعة الإخوان المسلمين . ومن هنا بدأت جذور تهميش الأقباط في المجتمع المصري . وبعد الإنفتاح وهجرة اعداد كبيرة من المصريين الى السعودية ودول الخليج الأخرى عا مصريون الى الوطن  محملين بقيم و ثقافات تنتسب الى  الوهابية و التعصب ديني . الأمر الذي وضع مصر على ارضية  جديدة تماما .. أرضية الاستقطاب على اساس ديني . و بلاشك ان المرحلة ( من 23 الى1952 )  شهدت تطورا نسبيا لصالح المواطنة ونزع فتيل الفتنة الطائفية و قيام علاقات اقرب الى القيم الليبرالية ألقت بظلالها إيجابيا على حقوق المواطنين و الاعتراف بالمواطنة بصرف النظرعن الدين .لكن  فاقم احتكار حزب واحد حاكم للسياسة وكذا الانفتاح على دول الخليج وسيادة قيم وافكار تعصبية من تهميش الأقباط والعودة عن التطور نحو المواطنة . و أرى ان عزلة المثقفين عن المجتمع يأتى في مرحلة تالية من الأهمية  في تفسير هذا التدهور. فالمناخ العام أيام المرحلة الليبرالية كان يسمح بوصول الأفكار للطبقة الوسطى مما اصبح عليه الحال لاحقا.
* هل ترون أن هزيمة 1967 وضرب المشروع القومي التحرري ألحقا ضررا بعملية صهر الأعراق و القبائل والعشائر و اتباع الديانات المتعددة في الدولة الوطنية؟
ـ المسألة فيما  ترتب على الهزيمة من تراجع المشروع النهضوي العربي وفتح الباب امام تأثيرات هبت من دول الخليج . هنا بدأ تراجع جاذبية الأفكار التحررية والتقدمية و صعود سطوة الأفكار الدينية . ومع إحتدام الأزمة الإقتصادية الإجتماعية في كثير من المجتمعات العربية لجأ الناس الى الدين كملاذ أخير يعصمهم من وطأة هذه الأزمة .
عن النموذج المصري
* هل يمكن القول بان مصر منذ قرنين وحتى 1967 كانت تشكل نموذجا في محاولة بناء الدولة الوطنية و ارساء قيم المواطنة و بفعل الهزيمة غاب هذا النموذج المثال .. و اندفعت المنطقة على هذا النحو الى سلسلة من التطاحن الطائفي؟
ـ لا نبالغ إذا قلنا ان مصر قاطرة للتقدم في المنطقة ، وأنها قدمت في غير حقبة انموذجا يحتذى سواء في بناء لدولة الحديثة لـ "محمد على" أو الإصلاحات في عهد  "الخديوي اسماعيل" ، و لكونها استقبلت المهاجرين الشوام الفارين من عسف الدولة العثمانية و تأسس بها المسرح والصحافة و مؤسسات النشر على ايدي مثقفين شوام .  وأيضا الهمت ثورة  1919 ق ثورات تلتها خلال خمس سنوات  في العراق وسوريا . وهذا التقدم النسبى لمصر في المنطقة جعل منها مصدر اشعاع في منطقتها . وعندما فقدت مصر هذا الدور في السبعينيات وما تلاها لاحظنا ان المنطقة تزداد ضعفا وتفككا .
* صعود التيارات الدينية ألم يكن يستدعى استجابات تؤكد على  مناعة الوحدة الوطنية ؟
ـ في ظل النظم السلطوية و في غياب التحول الديموقراطي الشامل لا يمكن حل المشكلة الطائفية . فالشرط الأساسي لعدم التمييز بين المواطنين على اساس الدين او الجنس شرطه يظل هو التحول الديموقراطي الشامل في المجتمع . و منذ تحولت مصر  باتجاه دولة حديثة كانت هناك جذور للمشكلة الطائفية . لأن عدم استكمال بناء  الدولة الحديثة على اساس ديموقراطي ادي الى استمرار المشكلة . وبالتالي علينا ألا نعول على حل المشكلة الطائفية في مصر من فوق و في غياب التحول الديموقراطي الشامل . يجب ان نناضل من أجل الديموقراطية أولا . و في هذا السياق فان انسحاب الأقباط من الحياة السياسية و تقوقعهم على انفسهم و عدم انخراطهم في النضال من أجل الديموقراطية  يؤدي بدوره الى استمرار المشكلة . و علي الاقباط ان يناضلوا جنبا الى جنب مع القوى الأخرى لاستكمال التطور الديموقراطي  .
* ألم توجد اشكال للمانعة  ؟
ـ الثقافة جزء من البناء الفوقي . والواقع المادي هو الذي يلعب الدور الرئيسى . كما قلت فان هذا النوع من الثقافة تغلغل في المجتمع مع المصريين العائدين من العمل في السعودية وغيرها من دول الخليج . لننظر الى الجامعات المصرية في النصف الأول من عقد السبعينيات حيث كان التيار الإسلامي يكاد ألا يكون موجودا . بعدها بدأ ينتشر تدريجيا فيما تنحسر التيارات الأخرى . و الانتصار الكبير للتيارات الدينية جاء مع التسعينيات بعد تحولات جرت على مدى عقدين من الزمان. وهكذا بدا المجتمع كله خاضعا لثقافة التعصب الديني . و بالتالي انحسرت الممانعة شيئا فشيئا .
مراجعات متفاوتة
* كيف تقيمون التطورات والمراجعات التي لحقت بالتيارات الدينية تجاه قضية المواطنة .؟ و هل تلمسون تغييرا ما بعد انحسار موجة العنف على اساس ديني في مصر ؟
ـ ما قادنا الى هذه المر اجعات هو  الصراع الدائر في المجتمع ورغبة قطاعات متزايدة من الإسلام السياسي في الإندماج في الحياة السياسية. وهي تأتي على خلفية ان القوى السياسة الأخرى تنتقد الإسلاميين وتحملهم مسئولية المشكلات الناجمة عن التعصب والتمييز بين المواطنين على اساس ديني . ومن ناحية فاننا لا يجب ان ننكر رغبة القوى الاسلامية  وبخاصة الإخوان في الاندماج في المجتمع .و التقاء هذين العاملين في اعتقادي يفسر المراجعات الجارية داخل التيار الإسلامي ، واكثرها تقدما في رأيي عند "الإخوان المسلمين " ، لأنهم ينطلقون من افكار سياسية لا دينية فحسب في اعترافهم بالمساواة بين المواطنين و عدم التمييز سواء على اساس الجنس أوالدين . هم تارة يسندون مواقفهم بمرجعيات دينية  وتارة بمرجعيات من الفكر السياسي الحديث كالإعتراف بالمواطنة . أما بقية الأطراف في هذا التيار ( خارج الإخوان) فهي تنطلق من نظرة دينية او مايطلقون عليه " النظرة الشرعية " . بالفعل اصبح لدينا اجتهادات لافته بين التيار الإسلامي، بداية باسقاط فكرة "اهل الذمة " و باتجاه ان المصريين متساوون في الحقوق والواجبات لأنهم مصريون.لنرقب ما يجرى  داخل التيار الإسلامي ، فهناك تفاوت في المراجعة ويتقدمها الإخوان ..وحتى داخل الإخوان هناك تفاوت في درجة التقدم في هذه المراجعات .
* هل يمكن التعويل على هذه المراجعات ؟
 ـ ستظل رهنا بتعميق التطور الديموقراطي في المجتمع المصري إجمالا . و تبقى هذه المراجعات قابلة للانتكاس ما لم يجرى استكمال هذا التحول والنص عليه في المواثيق الأساسية كالدستور والقانون و مالم تكن هناك حياة سياسية تعددية مزدهرة و ما لم تكن القوى المدنية والديموقراطية قدرة على الضغط والتأثير. و الشرط الأساسي كي تتحول هذه المراجعات الى قناعات تجد طريقها للتطبيق هو استكمال التحول الديموقراطي . ويأتى دور القوى المدنية والديموقراطية في هذا السياق .هي مطالبة بالضغط كي تصل مراجعات التيار الى مداها ، وذلك بالاقرا ر الكامل بالمساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين وبصرف النظر عن الدين والجنس والأصل. واقصد المساواة  في الممارسة أيضا .
صراع محتدم ومناورات
* الحزب الحاكم قام بتغيير الدستور بالنص على المواطنة  و حظر خلط الدين بالسياسة ..ما رأيكم ؟
ـ هذه مناورة في مواجهة النفوذ المتزايد للإخوان . والدليل انها ابقت على " الشريعة المصدر الأساسي للتشريع " في المادة الثانية من الدستور . و في رأيي ان هذه التعديلات الدستورية لم تكن بهدف تحقيق تطورات ديموقراطية بقدر ما كانت مناورة لضمان استمرار النخبة الحاكمة لفترة طويلة قادمة .
* نحن امام  ثنائية بين الحكم والإخوان وتبدو مشكلة الوحدة الوطنية والمواطنة ضائعة بينهما ؟
ـ هذه مرحلة احتدام الصراع حول الاصلاح السياسي والإجتماعي في مصر . والقوى الديموقرطية لم تصل بعد الى القدرة التي تمكنها من الضغط لاتخاذ خطوات حقيقية تنجز هذا الإصلاح . والحكم لم يصل بعد الى مرحلة يقتنع فيها انه مالم يتخل عن طابعه السلطوي فان مصالح نخبته الحاكمة في خطر . نحن في  مرحلة ملتبسه تتعايش فيها المتناقضات جنبا الى جنب . ويجرى طرح المواطنة لأغراض المناورة ، ومن دون أرضية اقتصادية إجتماعية  سياسية مواتية كي تستقر فكرة كالمواطنة في الواقع والممارسة وتستقر في مناهج التعليم والتربية وفي علاقة الناس ببعضهم البعض. وهكذا تظل الأمور معلقة بلا أساس مادي تستند إليه . وسنظل نعيش في مرحلة احتدام الصراع حول التطور الديموقر اطي في المجتمع المصري هذه الثنائية بين قوى تناضل من أجل خطوات للأمام و بين سلطة تناور لتفويت الضغوط. وأرى ان الصراع في النهاية  سوف يحسم لصالح التطور الديموقراطي  .
* هل تظن ان الإخوان  يمكن ان يكونوا حلفاء في معركة التطور الديموقراطي ؟
ـ اعتقد يجب ان نتخلى عن منهج اننا قضاة ندين او نبرئ .. استمرار التعامل معهم بالضغط والتشجيع يمكنه ان يجدي . علينا تشجيع الآخرين على القيام بالمراجعات .مثلما من الأهمية بمكان مراجعة قوى اليسار من موقفها من الديموقراطية وان تعيد النظر في افكارها الرئيسية بما يتناسب مع احتياجات المرحلة .و يظل الصراع هو الأساس والقدرة على الضغط هي شرط رئيسى الى ان يحسم شرط التطورالديموقراطي في المجتمع المصري .
* بالتالي الإجابة مفتوحة؟
 ـ بالطبع حيث تظل امكانية الانتكاس واردة .
مشكلتنا مع العولمة
*  كيف ترون تأثيرات العولمة على قضية المواطنة و الوحدة الوطنية ؟
ـ مشكلتنا مع العولمة هي ان القوى الرئيسية بها هي الولايات المتحدة والدول الثمان الرأسمالية الكبرى . وهذه القوى لها موقف منافق من قضية الديموقراطية . تضغط من أجل استكمال تحولات ديموقراطية لكنها في الوقت ذاته توظف هذا الضغط لحساب مصالحها الاستراتيجية . و إذا تعارضت مصالحها الاستراتيجية مع ضغوطها على النظم من أجل التحول الديموقراطي تغلب مصالحها وتوقف الضغوط كما حدث في السنوات الثلاث الأخيرة . فعندما تورطت الولايات المتحدة في العراق واحتاجت عون هذه النظم توقفت تماما ضغوطها و اختفى من خطابها موضوع التحول الديموقراطي في هذه البلدان .و أصبحت واشنطن لا تستخدم إلا الأوراق التي تمكنها من الضغط لمساندة سياستها في العراق مثل ورقة الأقباط في مصر  . كان يمكن للعولمة و تأثيراتها الثقافية دفع التحول الديموقراطي ، لكن استخدام قوى العولمة لهذه الإمكانات بطريقة ازدواجية و تنطوي على نفاق هو الذي يعرقل هذا التطور.
* ألا تخشون في ظل هذه الظروف التلاعب بأقليات بعينها ؟
ـ نحن لم نعد نعيش بمعزل عن العالم الخارجي . بل اصبحنا جزء مما يشبه  بقرية صغيرة نتأثر بما يحدث في الأجزاء الأخري. ولما كان وضع الأقليات في ظل نظم سلطوية  في العالم العربي صعب  سواء أكانت دينية ام عرقية فقد أصبحت هذه الأقليات اوراق تستخدمها قوى العولمة . تقارن هذه الأقليات أوضاعها بمثيلاتها في الدول المتقدمة والديموقراطية . لكن قضية الأقليات للتدخل يجرى استخدامها في الشئون الداخلية . و من هنا فمن واجب القوى الديموقراطية عدم الإكتفاء بالحديث عن المؤامرات الخارجية ، بل أن تناضل لتحسين اوضاع هذه الأقليات  و ضمان تمتعها بكافة الحقوق وقيامها بكافة واجبات المواطنة . و بدون ذلك ستظل قضية الأقليات حية، ليس لأن هناك قوى كبرى تتآمر لاستخدام ورقة الأقليات لتحقيق مصالحها وللتدخل، بل لأن مسألة الأقليات فرضت نفسها على العلاقات الدولية المعاصرة.
الاقباط
* تاريخيا كان للأقباط حضورهم في حزب الوفد أو التنظيمات اليسارية خلال مكافحة الإستعمار المباشر . ومنذ ثورة يوليو 1952 و الى حينه يبدو الأقباط كغائبين  عن  مسرح السياسة و الحركة الوطنية .. لماذا وكيف بالإمكان اعادتهم الى حيويتهم لصالح مشاريع وطنية جامعة ؟
ـ احتكار العمل السياسي لحزب واحد تديره الدولة أدى الى العديد من الظواهر السلبية . فحسابات الدولة هي التي حددت مدى  وجود الأقباط على المسرح السياسي ، وليس حقهم في ممارسة النشاط الجدير بهم . بل اصبحت اجهزة الأمن تحديدا هي التي تحدد حجم و نوعية ظهور الأقباط في المشهد السياسي المصري في ظل احتكار حزب واحد هو حزب السلطة . ومن هنا جاء تهميش الأقباط سياسيا و احتكار الدولة للملف الديني . والخروج من هذه الحالة يتأتى بقيام حياة سياسية تعددية حقيقية و ازدهار الحياة الحزبية و الغاء القيود المفروضة على النشاط السياسي الجماهيري. فقيام كيانات حزبية منافسة للحزب الحاكم يمكن ان يجتذب الأقباط شيئا فشيئا الى ساحة الحياة السياسية والنشاط الجماهيري.
* أي مسافة تفصلنا عن الدولة المدنية الحديثة؟
ـ بالنسبة لمصر في ظل الدستور الحالي ( العام 1971)  اقتربنا كثيرا من استكمال مقومات الدولة الحديثة، لكن المشكلة في الممارسة. فنحن لازلنا نعيش اوضاع متخلفة .لذا اركز على قدرة القوى الديموقراطية في التأثير على المجتمع المصري  وان تكتسب الى صفوفها فئات أوسع وتخلص الناس من نزعات التعصب و الطائفية .
* هل هذا رهن بسن تشريعات معينة تجرم التمييز و تضمن حرية اقامة دور العبادة وهكذا ؟
 ـ بدون اتساع الحركة الديموقراطية المطالبة بهكذا مطالب و تنامي قدرتها على التأثير يصبح من المستحيل تغيير القوانين القائمة . امامنا أولا ان تكتسب القوى المستنيرة الى صف هذه الأفكار قطاعات أوسع من الشعب المصري . هنا فان الجبهة الرئيسية هي القيم والثقافة والأفكار  وما لم تناضل هذه القوى من أجل كسب دوائر أوسع من الناس سيصبح من الصعب تغيير هذه القوانين .و المهم هو ان يصبح المجتمع مهيأ لهذه القوانين .
* لكن اذا كان الإعلام بقنواته يسير في ا تجاه معاكس ولدينا نظام تعليمي يكرس الولاء للدين أولا ..
ـ الحلقة الرئيسة هنا هي حرية النشاط السياسي الجماهيري .. وفتح الباب امام القوى الاشتراكية  والليبرالية والقومية لممارسة نشاط سياسي جماهيري من دون عقبات و ان تصل الى قطاعات أوسع من الناس . وهذا يتطلب انهاء الإحتكار الحكومي لوسائل الإعلام الجماهيري و الأجهزة الثقافية  المؤثرة جماهيريا . هذه الشروط لو توافرت  ستضع تيار الإسلام السياسي عند حجمه الطبيعي .
أزمة اليسار والمهام الليبرالية
*  اي إسهام لليسار المصري والعربي في قضية الوحدة الوطنية .. واي تميز له عن التيار الليبرالي ؟
 ـ أرى ان اليسار لديه انسجام  مع هذه الأفكار بحكم منطلقاته الفكرية والسياسية . اليسار يدعو  لالغاء الاستغلال والتمييز بين الناس و هي كلها من مقومات المجتمع الحديث . و بالتالي عندما يدعو اليسار لعدم التمييز على اساس العقيدة أو الدين او المذهب فهو منسجم مع منطقاته الأساسية . لكن المشكلة أن اليسار لم يعد له النفوذ الذي كان و انه اصبح على هامش الحياة الثقافية . اتذكر عندما أسسنا حزب "التجمع " اليساري في منتصف السبعينيات كان به نحو 90 في المائة من المبدعين في البلد. الآن تقريبا لم يعد للحزب صلة حقيقية بالكتاب والمبدعين التقدميين . ونقطة البدء هي ان تستعيد قوى اليسار السياسي صلتها بالمبدعين وان تستفيد بالانتاج الفكري والأدبي والفني في اعادة صياغة وجدان المصريين.
* إذا كان من اسهامات ثورة 1919 في مجال الوحدة الوطنية شعار " الدين لله والوطن للجميع " ..ماهو اسهام اليسار بالضبط في هذه القضية؟
ـ الانتاج الفكري والفني لليسار يترجم فعلا هذا الشعار .
* ألا يبدو كأن اليسار مستوعب في تحقيق هدف ليبرالي ؟
 ـ اليسار استكمال للتطور .  ورأيي ان اليسار الحقيقي هو الذي يأتي على أرضية ليبرالية بمعنى ضمان تمتع الفرد بحقوقه و حرياته الأساسية  ثم يضيف إليها فكرة العدالة الإجتماعية . واسهام اليسار  هنا ان يعطي  لقضية المواطنة بعدها الإجتماعي.
* بوصفكم توليتم مسئوليات تثقيفية في عهد الرئيس " عبد الناصر " ،كيف تنظرون الآن الى هذه الأدوار و مدى الوعي حينها بمشكلة الوحدة الوطنية و المواطنة في البرامج والممارسة ؟
ـ لم تكن مشكلة الوحدة الوطنية مطروحة  . وكان الأقباط موجودين و كموجهين سياسيين و كقيادات في كنظمة الشباب ولم يكن ينظر لأحد بوصفه قبطيا أو مسلما . وفي ذات الوقت كنا نقدم االاسلام للشباب بوصفه دينا يحض على العلم والعمل والوسطية ، و يتعامل مع الناس لا بوصفهم ملائكة أو شياطين بل بوصفهم بشرا لهم نزعات ورغبات . الله  لا يحملهم ما لا يطيقون و لا يتجاهل انهم جزء من مجتمع لهم حقوق وغرائز يجب ان تشبع . هذا نوع من الفهم المستنير للدين كان يقدمه الدكتور "كمال أبو المجد "في محاضرات تثقيفية بمنظمة الشباب قبل نحو اربعين عاما  .
 * أنتم مهتمون بتجديد الحركة الاشتراكية في مصر والعالم العربي .. أين ترى موضع المواطنة و الوحدة الوطنية في مشروع "التحالف الاشتراكي " الذي تأسس العام الماضي ؟
ـ هي جزء من التطور الديموقراطي الشامل الذي نسعي اليه . وفي رأيي لا يمكن تحقيق المواطنة و الوحدة الوطنية على النحو الذي نريده من دون نظام حكم ديموقراطي وحياة حزبية حقيقية ف، بما في ذلك الانتخابات الحرة والغاء الحظر على النشاط الجماهيري واقامة إعلام حر مستقل عن جهاز الدولة و كذا نقابات و اتحادات مستقلة . هذه شروط أولية لكي تزدهر هذه القضية و تحل حلا سليما .
* في العالم العربي نشهد صعود الطائفية هنا وهناك .. هل ترى  أن مصر بوضعها الحالي لديها فرصة للتأثير الإيجابي ؟
ـ. امكانية مصر تكمن في سياسة خارجية تنبع من موقف مستقل وفي تقدم نموذج مختلف امام شقيقاتها العربية . وليس صدفة ان الولايات المتحدة و دول العالم الرأسمالي تركز على مصر تحديدا كي تبقيها تحت السيطرة لأنها ولأنهم يعلمون بان قيام نموذج مختلف في مصر سيشع تلقائيا على العالم العربي .

نشر في "الوقت " 21فبراير 2008