حماية حقوق الاقليات الديمقراطية

الأقليةالأقلية هي مجموعة من سكان إقليم أو دولة تختلف عن الأغلبية في الانتماء الإثنية أو القومي والديني أو المذهبي. وقد وحدت الأقليات بين أكثر الشعوب والأمم. لكنها في الغالب كانت تعاني من هيمنة وظلم الأكثرية بسبب عدم وجود ضمانات أو ضوابط تحميها من بطش الأغلبية. ويعود منشأ الأقلية في الدولة إلى أسباب منها: 1- وجود مجموعات سكانية تعيش إلى جانب بعضها البعض في منطقة واحدة، وتختلف في انتماءاتها القومية أو الدينية أو المذهبية عند تأسيس الدولة، حيث يجري ضم هذه المجموعات في كيان سياسي واحد، تصبح فيه بعض الجماعات أقليات مقارنة بالأغلبية المختلفة عنها، مثلا العراق (سنة وشيعة وصابئة ومسيحيين، وعرباً وأكرادا وتركماناً وكلدو آشوريين)، وإيران (أغلبية شيعية وأقليات سنية، وقوميات فارسية وتركية كبيرة وأخرى صغيرة كالكردية والعربية والتركمانية والبلوشية، وأقليات يهودية وارمنية وزرادشتية)، ومصر (مسلمين وأقباط)، ولبنان (عرب ودروز ومارونيين، وسنة وشيعة ومسيحيين وأرمن..)، وفي العديد من الدول الإفريقية والآسيوية والأوربية.2- قيام دولة بضم أو احتلال إقليم مجاور كما جرى لعرب الأسكندرونة في تركيا، وعرب المحمرة في إيران، ودروز الجولان في إسرائيل، والبوسنة التي ضمت إلى النمسا، أو إقليم كوسوفو من قبل يوغسلافيا.3- انسحاب الدولة عن الإقليم لتترك أقليات تختلف عن السكان الأصليين، كما حدث في الهند حيث وجدت الأقلية المسلمة، أو الأقليات التركية في بلغاريا وألبانيا واليونان.4- تحول مجموعة من أهل البلاد الأصليين إلى دين آخر مما يحولهم إلى أقلية دينية، كما حدث في اندونيسيا والفلبين والصين وماليزيا ونيجيريا وغيرها حيث اعتنقت مجموعات سكانية الإسلام.5- هجرة مجموعة سكانية من بلدها الأصلي إلى بلد آخر طلباً للرزق والعمل أو بحث عن ملاذ آمن. كما هو الحال في الأقليات المسلمة في أوربا الغربية وأمريكا وكندا وأستراليا وبلدان أمريكا اللاتينية. حماية الأقليات يعود دخول مبدأ حماية الأقليات إلى القرن الثامن عشر عندما بدأت الدول الأوربية بفرض حمايتها على الأقليات ت المسيحية في أراضي الدولة العثمانية. فقد تضمنت معاهدة (كوجوك كايناريا) الموقعة عام 1774 بين روسيا والدولة العثمانية حقاً للروس يسمح ببناء كنيسة أرثوذكسية في حي بكيلو beyoglu الذي يسكنه الأجانب في اسطنبول، ويضمن حمايتها وحق تعيين ممثلين فيها. واعتبرت روسيا ذلك الامتياز المحدود حقا ً يمنحها صلاحية حماية كل المسيحيين الأرثوذكسيين في إنحاء الإمبراطورية العثمانية، وحق التدخل إذا ما رأت ما يهدد أوضاعهم، وان تستشير الدولة العثمانية الروس فيما يتعلق بأية إجراءات تخص الأقلية الأرثوذكسية(1). وأعلنت فرنسا عن رغبتها في ممارسة حق مشابه تجاه الأقلية المسيحية الكاثوليكية في الإمبراطورية العثمانية (المارونيين في لبنان). وطالبت بريطانيا بادعاء مماثل في حقها بحماية الدروز في لبنان واليهود في فلسطين.استغل القناصل الأوربيون ضعف البلدان الإسلامية وأخذوا يطلبون المزيد من شهادات (البرائتلي) للرعايا العثمانيين من الأقليات الدينية. وبلغ الأمر ببعض القناصل إن يطلب ألافا من هذه الشهادات سنوياً، حتى القرن التاسع عشر، مما شكل منحى جديداً في تغيير الجنسية العثمانية، حيث أصبح المواطنون غير المسلمين يتمتعون بحقوق وامتيازات اكبر من مواطنيهم المسلمين في نفس البلد.وبرغم السلبيات التي رافقت ممارسة حماية الأقليات في الدولة العثمانية، لكن هذه الحماية أدت إلى تغيير جوهري في وضعية الأقليات الدينية في المجتمع الإسلامي.ففي عام 1839 اصدر السلطان عبد المجيد مرسوماً سلطانيا ً(خطي شريف) في قصر كلهان، تضمن اعلان المساواة بين المسلمين وغير المسلمين، مما يعني إلغاء الوضع الشرعي التقليدي لغير المسلمين على اعتبار أنهم أهل ذمة. وتم التأكيد ما ورد في المرسوم بقرار سلطاني آخر عام 1856 حين اصدر السلطان مرسوما ً آخر (خطي همايون) الذي منح المساواة التامة والحرية الدينية الكاملة للرعايا المسيحيين في الإمبراطورية العثمانية(2).الأقليات في الأنظمة الديمقراطيةشهدت الدول الغربية وجود أقليات قومية ودينية ومذهبية، تعرضت إلى اضطهاد وقمع بدءاً بمحاكم التفتيش الاسبانية التي كانت تلاحق كل من يعتقد بآراء وعقائد لأترضى عنها الكنيسة. وقد عانى المسلمون في القرن السابع عشر وما بعده من اعتقال وحرق وقتل واغتصاب. كما عانت الأقلية اليهودية في القرنين الثامن والتاسع عشر من اضطهاد الكنيسة والدولة. إما الأقليات القومية فبقيت تعاني من اضطهاد منظم جعلها تشهر السلاح للدفاع عن مطالبها القومية والثقافية والمذهبية، مثلا جماعة إلباسك في اسبانيا، والأيرلنديين الكاثوليك في ايرلندا الشمالية ضد الهيمنة البريكانية الأنجليكانية. لا يمكن للأقليات العيش بسلام في إي بلد دون قوانين تضمن حمايتها وحرياتها الدينية والثقافية ومساواتها مع الأكثرية في التمتع بجميع الحقوق المدنية والسياسية. وقد وجدت هذه الضمانات طريقها إلى الدساتير الغربية منذ وقت مبكر، وقبل نشوء فكرة حقوق الإنسان والمواثيق الدولية. فقد اصدر البريطانيون وثيقة الماكنا كارتا (العهد العظيم) Magna Carta عام 1215، التي اشتملت على ثلاث وستين مادة، تضمن حقوق وحريات الإقطاعيين والكنيسة والتجار وحتى الأجانب منهم، وبالتزام النزاهة والعدالة في القضاء. وعلى ضمان الحرية الشخصية لكل فرد من إفراد الشعب، مهما اختلفت طبقته وتباينت درجته في المجتمع. وقد أكدت المادة (_39) على ما يأتي:((لا يجوز القبض على إي شخص حر أو اعتقاله، أو نزع ممتلكاته أو حرمانه أو إبعاده أو إنزال الضرر به بأي طريقة كانت. كما لا يجوز اتخاذ أي إجراءات ضد المواطن إلا بواسطة أحكام قانونية تصدر عمن هم من طبقة مماثلة لطبقته، وبمقتضى قوانين البلاد)). وتأكيدا ً لما ورد أعلاه نصت المادة (40) على لسان الملك ((لن نمنع أحدا ً من الوصول إلى حقه بطريقة عادلة، ولن نعرقل ذلك أو نساوم عليه)). ومن أجل تنفيذ ما ورد في الوثيقة فقد نصت المادة (25) على تأليف لجنة مكونة من خمسة وعشرين بارونا، تختص بمراقبة أحكام الوثيقة. ومن حق اللجنة إعلان الثورة والقتال ضد الملكية إذا اضطرت إلى ذلك(3). وفي عام 1689 تم وضع سند الحقوق Bill of Rights الذي قلص من حرية الملك ومنعه من التصرف دون العودة إلى البرلمان. إذ منعت الوثيقة الملك من تعليق مفعول القوانين أو فرض أية ضريبة كانت، أو إنشاء محاكم دون موافقة البرلمان. كما تم ضمان الحريات الشخصية وحق المواطنين في تقديم العرائض. الأمريكيون الدستور عام 1776 الذي يعتبرونه الأساس لحقوق الإنسان. وأصدر الفرنسيون وثيقة (حقوق الإنسان والمواطن) بعد الثورة الفرنسية عام 1789 ويعتبرونها الانطلاقة الأولى لمبادئ حقوق الإنسان. وتضمن الدستور الهولندي الصادر عام 1814 مواد تضمن حقوق وحريات جميع من يتواجد على الأراضي الهولندية، وليس المواطنين الهولنديين فحسب. فقد نصت المادة الأولى على انه: (يُعامل كافة الموجودين في هولندا بالتساوي، ويمنع التمييز العنصري بسبب الدين أو المعتقد أو الميول السياسية أو العرق أو الجنس أو أية خلفية أخرى)). وتنص المادة السادسة على أنه ((لكل شخص الحق في ممارسة شعائره الدينية أو معتقداته بحرية، كفرد أو ضمن جماعة. ويتحمل كل شخص مسؤولية ذلك ضمن القانون)). وتضمن المادة السابعة حرية التعبير بكل أشكاله حيث تنص على أنه ((لا يحتاج أي شخص رخصة للتعبير عن أفكاره ومشاعره)). وتضمن المواد (8-13) حقوق الاجتماع والتظاهر وحرمة حياته الشخصية ومنزله وسرية مراسلاته وتأسيس الجمعيات والأحزاب. وتطبق هذه المفاهيم الحقوقية والضمانات الدستورية على جميع المواطنين بما فيهم الأقليات الدينية والمذهبية والقومية. فصارت الأقليات تتمتع بجميع الحقوق والحريات والامتيازات التي تتمتع بها الأكثرية بلا استثناء. وساهم في ترسيخ تطبيق المبادئ الديمقراطية والحقوق العامة صدور إعلانات ومواثيق واتفاقيات دولية تؤكد على احترام حقوق الانسان وحكاية الأقليات.حقوق الأقليات في القانون الدوليفي الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى نشأت عدة دول جديدة تضم أقليات دينية وقومية عديدة. الأمر الذي انعكس على المعاهدات الدولية التي تضمنت بنوداً واضحة تنص على حماية الأقليات فيها كما في معاهدات الصلح الأربع التي أبرمت مع كل من النمسا والمجر وبلغاريا وتركيا، وفي المعاهدات الخاصة التي عقدت مع بعض الدول الناشئة كبولونيا ويوغسلافيا. وكانت هذه البنود تشتمل على ضمانات خاصة للأقليات تعهدت الدول المذكورة بمراعاتها تحت إشراف عصبة الأمم التي كان يحق لها النظر، عبر مجلس الوصاية التابع لها، في المخالفات والانتهاكات التي تتعرض لها الأقليات. وأصدرت الجمعية العامة لعصبة الأمم عام 1933 قراراً تتمنى فيه على الدول غير الموقعة على نظام حماية الأقليات مراعاة قواعد العدل في معاملتها للأقليات الخاضعة لسيادتها(4).عند أنشاؤها، لم ينص ميثاق الأمم المتحدة بشكل واضح على مواد خاصة بحماية الأقليات بل اكتفت بما ورد من مفاهيم في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10 / 12 / 1948. إذ تنص المادة (55) على أن الأمم المتحدة تعمل على (أن يشيع في العالم احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين)). ويفسر البعض تحاشي ميثاق الأمم المتحدة ذكر الأقليات صراحة إلى بروز مفاهيم سيادة الدولة بقوة واسعة بحيث يمكن أن يعتبر ذكر الأقليات أو حمايتها تدخلاً في الشؤون الداخلية ومدعاة لزعزعة استقرار الدولة إذا ما قامت دولة أجنبية باستخدام الارتباطات القومية والدينية والمذهبية مع أقلية تقيم في بلد آخر. ومن هذا المنطلق رأت الأمم المتحدة قضية حماية الأقليات من اختصاص الدولة نفسها التي تعتبر تلك الأقلية من رعاياها. يضاف إلى ذلك أن قيام أنظمة ديمقراطية حقيقية في بلدان العالم هو أفضل ضمان لحماية الأقليات في تلك البلدان. ولم يمض أقل من عقدين من الزمان حتى اضطرت الأمم المتحدة إلى التأكيد صراحة على حماية الحقوق الأساسية للإنسان ومنها حقوق الأقليات، خاصة بعد افتضاح الممارسات الفظيعة لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، والرفض العالمي للممارسات الوحشية ضد مجموعات عرقية أو دينية أو قومية. ففي 20 /11 /1963 صدر إعلان الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري. إذ أكد الإعلان على ((أن الجميع سواء أمام القانون، لهم دون تمييز حق متساو في حمايته وحق متساو في الحماية من أي تمييز ومن أي تحريض على مثل هذا التمييز)). ورفض الإعلان ((أن أي مذهب يقوم على التفرقة العنصرية أو التفوق العنصري مذهب خاطئ علميا ً ومشجوب أدبيا ً وظالم وخطر اجتماعيا ً، وأنه لا يوجد مبرر نظري أو عملي للتمييز العنصري)). كما أبدى الإعلان القلق الشديد من ((التمييز بسبب العرق أو اللون أو الأصل الإثنية في بعض مناطق العالم)). ووضع الإعلان ضوابط لمنع التمييز بين البشر على أساس العرق أو اللون أو الأصل الذي يمثل إهانة للكرامة الإنسانية (المادة 1). وحظر على أية دولة تقوم، عن طريق التدابير الضبطية أو غيرها، بتشجيع أو تحبيذ أو تأييد أي تمييز بسبب العرق أو اللون أو الأصل الأثيني يصدر عن أي جماعة أو مؤسسة أو فرد (المادة 2). وأعتبر جريمة ضد المجتمع، ويعاقب عليه القانون، كل تحريض على العنف وكل عمل من أعمال العنف يأتيه أي من الأفراد والجماعات ضد أي عرق أو أي جماعة من لون أو أصل أثني آخر (المادة9).في 18 / 12 / 1992 أصدرت الأمم المتحدة (إعلان بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو أثنية أو دينية أو لغوية). إذ أكد الإعلان على جميع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والحقوق المدنية والسياسية ومنع جرائم الإبادة البشرية ومنع جميع إشكال التمييز ضد المرأة والطفل. ورأت الأمم المتحدة أن ((تعزيز وحماية حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو أثنية أو دينية أو لغوية يسهمان في الاستقرار السياسي والاجتماعي للدول التي يعيشون فيها)). ونصت المادة الأولى من الإعلان على أن ((تقوم الدول، كل في إقليمها، بحماية وجود الأقليات وهويتها الثقافية والدينية واللغوية، وبتهيئة الظروف الكفيلة بتعزيز هذه الهوية. وأن تعتمد الدول التدابير التشريعية الملائمة لتحقيق تلك الغايات)). كما أكد الإعلان على حق الأقليات في التمتـــع بثقافتـــها الخاصة، وممارسة دينها وعقائدها وطقوسها، واستخدام لغتها بحرية، والمشاركة في الحياة الثقافية والدينية والاجتماعية والاقتصاديـــة العامة مشاركة فعلية.من تجارب الأنظمة الديمقراطية لا تكاد دولة أوربية إلا وتوجد فيها أقلية دينية أو قومية، لكن كيف عالجت هذه المشكلة؟ يوجد في ألمانيا أربع أقليات وطنية وهي الأقلية الدنمركية وجماعة الفريز وجماعة السينتي والروم (الغجر) والشعب الصوربي. وبناء على (اتفاقية المجلس الأوربي لحماية الأقليات الوطنية) المصادق عليه عام 1997، تحظى لغات هذه الأقليات بالدعم الأوربي. ويقيم الدنمركيون ممن يحملون الجنسية الألمانية في منطقة (شليز فيغ) وهي منطقة خسرتها الدنمرك عام 1864. ويقيم الفريزيون في المنطقة الساحلية شمالاً حيث يتوزعون بين ألمانيا وهولندا. وكانوا قد هاجروا إلى شمال فريزيا في القرن السابع الميلادي. ولكل من هذه الأقليات الوطنية الأربع حياتها الثقافية ومؤسساتها الخاصة بها، والتي تتلقى دعماً مادياً من الحكومة الاتحادية وحكومات الولايات(5). وأما انكلترا فقد بدأت كتجمع لممالك صغيرة حتى أصبحت بلداً واحدا ً في القرن العاشر. ففي عام 1536 انضمت ويلز إلى اتحاد انكلترا. والتحقت اسكتلندا عام 1707، ثم أيرلندا عام 1921. ويمثل الاسكتلنديون 10% من سكان بريطانيا، وسكان ويلز 5%، والأيرلنديون 2%. ورغم التعايش الطويل على مدى قرون لكن هذه الأقليات حافظت على ثقافتها وتقاليدها وعاداتها ولغاتها، بل أن اسكتلندا لديها نظام تشريعي خاص ومستقل عن التشريعات البريطانية. وما زال أهالي ويلز يتكلمون لغتهم الخاصة. كما توجد لغات آخري هي الغاليّة التي يتحدث بها سكان اسكتلندا، ولغة قديمة مثل الكورنية والمنكس. وبعد الحرب العالمية الثانية نشأت أقليات جديدة بعد قدوم المهاجرين من المستعمرات السابقة (الهند ولباكستان وبنغلادش وأفريقيا والكاريبي). وأصبح الإسلام ثاني أكبر ديانة في بريطانيا حيث يوجد ما يزيد على المليون مسلما. ولم تخل بريطانيا من المشاكل والأزمات مع أقلياتها، وخاصة في أيرلندا الشمالية التي تعود مشكلتها إلى قرنين من الصراعات السياسية والعسكرية والعصيان المدني والمقاومة السلمية. ولم تنته العمليات العسكرية إلا بعد اعتراف لندن بالجناح السياسي للجيش الجمهوري الأيرلندي (الشين فين)، وبداية الحوار بين الطرفين. وتأججت قضية اسكتلندا عندما طالب الاسكتلنديون بحصة من الثروات الطبيعية بعد اكتشاف النفط والغاز على الساحل الاسكتلندي. إذ رأى الاسكتلنديون أن إقليمهم يزود الحكومة في لندن بكميات هائلة من العائدات دون إن يحصلوا على نسبة من الدخل تناسب ما يقدمونه للحكومة. لم يكن من المناسب التغاضي عن المطالب الاسكتلندية، فجرى تحويل بعض صلاحيات الحكومة المركزية إلى البرلمان الاسكتلندي، ليشارك في اتخاذ القرارات المتعلقة بإنتاج وتسويق النفط والغاز وتوزيع العائدات. وفي ويلز كان أهالي ويلز يؤكدون على أهمية ممارسة تراثهم الحضاري وخاصة استخدام لغتهم القومية. وافقت الحكومة المركزية على استخدام لغة ويلزفي الإعلانات الحكومية وعلامات الطرق وغيرها إلى جانب اللغة الإنكليزية. وبذلك هدأت حدة النزعة القومية، حتى أن سكان ويلز رفضوا عام 1997 تشكيل برلمان خاص بهم، لأنهم لم يروا هناك حاجة لهم طالما أنهم يتمتعون بجميع الحقوق والحريات التي يتمتع بها الانكليز(6). حقوق الأقليات في الإسلامفيما يتعلق بوضع الأقليات في الدولة الإسلامية، هناك بون شاسع بين النظرية والتطبيق، بين التطبيق النبوي والعلوي وبين التطبيق الأموي والعباسي والفاطمي. لذلك يجب أن لا يجري تعميم التجربة الإسلامية في صدر الإسلام على المراحل التاريخية اللاحقة في الدول الإسلامية التي نشأت وازدهرت في بغداد ودمشق والقاهرة والقيروان والأندلس.بعد وصوله إلى يثرب، بادر النبي محمد (ص) بعقد أو حلف مدني مع يهود المدينة، أصبحوا فيه مواطنين يتمتعون بنفس الحقوق وحريات بقية المواطنين المسلمين. ففي صحيفة- الكتاب الذي كتبه النبي (ص) في السنة الأولى للهجرة (622م)،والذي يعتبر أول نص دستوري منذ خمسة عشر قرناً، جاء: ((هذا كتاب من محمد النبي، رسول الله، بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب، ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، أنهم أمة واحدة من دون الناس... وأنه من تبعنا من يهود فإن له النصرة والأسوة، غير مظلومين ولا متناصر عليهم... وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين. وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين. لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، ومواليهم، وأنفسهم إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته)). فقد اعتبرت الوثيقة اليهود مواطنين عليهم واجبات المواطنة في الدفاع عن الدولة، وتضمن لهم حقوقهم وحرياتهم في أموالهم وأنفسهم وممارسة شعائرهم بحرية. بقي العالم منقسماً إلى وحدات دولية على أساس ديني: أوربا المسيحية، والشرق الأوسط الإسلامي، والهند والصين وما جاورها هندوسية وبوذية وكنفشيوسية. ورغم وجود عدة دول ووحدات سياسية داخل الكيان الديني لكن العامل الديني بقي مسيطراً على فكرة التقسيم الدولي. ولعل أهم التغييرات التي تناولت العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين هو إقرار العلاقات السلمية بين الشعوب المختلفة في الانتماء الديني والعرقي. فقد عقد السلطان سليمان القانوني عام1535 معاهدة مع ملك فرنسا، فرنسيس الأول، منحت رعاياهما المقيمين في بلديهما حقوقاً متبادلة. وقد أعفي الرعايا الفرنسيين منا دفع الجزية.كما أنهم منحوا حرية ممارسة عقائدهم الدينية، وحق المقاضاة في محاكمهم القنصلية بحسب قوانين بلادهم. وهو أمر يحدث لأول مرة حيث يطبق قانون غير إسلامي في محاكم على أراض إسلامية. كما جرى إعفاء غير المسلمين المقيمين في الأراضي الإسلامية من دفع الجزية. ولم يجر تحديد مدة إقامتهم كما في السابق حيث لا يتجاوز عهد الأمان سنة واحدة. من المعلوم أن التقسيم الشرعي والقانوني للمواطنين في العصور القديمة كان يعتمد على الهوية الدينية أساسا في ذلك. فالدول والإمبراطوريات كانت تتبنى ديانة معينة تمثل هوية الدولة وطبيعة المواطنة فيها. فالإسلام هو هوية المواطن في الدولة الإسلامية. والمسيحية هي هوية المواطن في الإمبراطورية البيزنطية، ونفس الأمر ينطبق على دولة النجاشي في الحبشة ودولة القبط في مصر قبل الفتح. بقيت الأقليات الدينية (اليهودية والمسيحية والصابئة والمجوسية وغيرها) تعيش بسلام في المجتمع الإسلامي. ويعود ذلك إلى أمرين، الأول: ديني- عقائدي، حيث أعتبر إتباع هذه الديانات من أهل الكتاب الذين اوجب الإسلام احترام أديانهم وأنبيائهم وكتبهم المقدسة وعقائدهم. والثاني: عملي- قانوني وهو دفع الجزية التي منعت الدولة والحاكم المسلم، في أغلب الأحوال، من التعرض إليهم وممارسة القمع والاضطهاد ضدهم. كما أن دفع الجزية أعفاهم من المشاركة في الحروب التي تخوضها الدولة الإسلامية ضد جيرانها من غير المسلمين. ويعتبر غير المسلم بموجب عقد الذمة في ذمة المسلمين أي في عهدهم وأمانهم. ويسري هذا العقد على الأبناء والأحفاد ما لم يفسخوه. ولا يحق للمسلمين أو دولتهم فسخه. وإن فسخه الذمي فلا تقع المسؤولية على طائفته بل عليه شخصيا ً. والسبب الوحيد القاطع بفسخه من قبل الدولة الإسلامية هي تعاون الذمي مع العدو. وأما أخطاؤه السلوكية أو مواقفه السياسية أو مشاركته في انتفاضة داخلية أو عصيان فتقع في أطار البغي، ولا تلغي العقد(7). لقد أدى هذان العاملان إلى نوع من الاستقلال الديني والقانوني عن سلطة الخليفة أو السلطان المسلم. كما حفظ تراث الأقليات من عادات وتقاليد وأعراف ومعاهد ومدارس دينية وكنائس ومعابد ومراكز ثقافية ومكتبات ومأوى للأيتام وكبار السن. إذ حافظت الأقليات الدينية في المجتمع الإسلامي على كيانها الديني والثقافي والاجتماعي. لكن ذلك لم يمنع من اندماجها في الحياة العامة، حيث تقلد أبناء الأقليات مناصب عليا في الدولة كالوزراء والمستشارين، ونبغ فيهم الأطباء والعلماء والفلكيون والشعراء والأدباء. لم تكن جميع عصور الأقليات الدينية عهود سعادة واستقرار، ولم تستمر الديمقراطية التي مورست في فجر الإسلام، حيث بدأ الاستبداد يترسخ في كيان الدولة، وصار الحاكم حاكما شبه مطلق، وبدأت السلطات الحاكمة بتكييف الدولة بشكل يتناسب مع مصالحها. وعندما ينحرف الحاكم أو الحكومة تبدأ المظالم بالانتشار من قصره إلى أقصى بقعة نائية في أطراف الدولة. وكان الخلفاء والسلاطين يجدون من فقهاء البلاد عونا ً وتبريراً شرعيا ً لسلوكهم وقراراتهم. لقد تعرضت بعض الأقليات إلى اضطهاد محدود في فترات متفاوتة تعود لأسباب داخلية وخارجية. فكانوا يتعرضون للمضايقة عندما تتعرض الدولة الإسلامية إلى اعتداء من قبل الدولة البيزنطية، كما حدث في عهد هارون الرشيد، وتكررت ردود الفعل في مراحل لاحقة، مثلما حاول غزاة نصارى من الخارج احتلال أجزاء من الدولة الإسلامية كالغزوات الصليبية، التدخل الأوربي أيام الدولة العثمانية، حملة نابليون على مصر.. ومن الأسباب الداخلية التي لا علاقة لها بالدين هي زيادة الضرائب أو مصادرة الأموال العائدة لغير المسلمين. كما خضع مبلغ الجزية إلى الارتفاع الشديد لزيادة واردات بيت المال. ووصل الأمر في عهد الدولة الأموية إلى أبقاء الجزية على من أسلم منهم. فقد أمر الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز (717-720م) بطرد النصارى من وظائف الدولة. كما فرض إجراءات صارمة تتعلق بالملابس وحلق الرؤوس وارتداء أحزمة من الجلد وركوب الحيوانات بلا سرج، بهدف تمييزهم عن المسلمين. كما منعهم من بناء الكنائس ورفع أصواتهم في الصلاة. ومع ذلك أحترم عمر بن عبد العزيز عقد الذمة، ولم يجبرهم على دخول الإسلام، كما حمى للنصارى ملكيتهم للكنائس القديمة التي ضمنها لهم عقد الصلح. وشمل الخليفة المتوكل (847م) المسلمين وغير المسلمين في ظلمه. إذ أمر إلباس النصارى القيود، وأن لا يظهروا في شعائرهم صليباً، ومنع قراءة الصلوات في الشوارع، وأمر بتسوية قبورهم بالأرض، ونهاهم عن إشعال النار في الطرقات، وحدد لهم علائم في لباسهم وقص شعورهم، وتدخل في أسماء أولادهم وأساء معاملتهم، ورفض اعتناقهم الإسلام، ونهى عن تعليمهم، ومنعهم من الاحتفال بأعيادهم خارج بيوتهم(8).الأقليات في الإسلام المعاصر إن التجارب الإسلامية في الدول المعاصرة تتباين في نظرتها وتشريعاتها اتجاه الأقليات. ففي الوقت الذي تمنع المملكة العربية السعودية ممارسة الشعائر علنيا ً من قبل أتباع الديانات غير الإسلامية، وتمنع أنشاء كنائس أو معابد، نجد الكويت تعترف بوجود أقلية مسيحية صغيرة يرأسها كويتي مسيحي. وفي سوريا ومصر والأردن ولبنان تتمتع الأقليات الدينية بحرية العبادة وجميع حقوق المواطنة والمشاركة في الحياة السياسية العامة. وكذلك الأمر في بلدان شمال إفريقيا وبلدان جنوب الصحراء، والدول الإسلامية في آسيا. في إيران تعيش أقليات دينية وطنية متعددة، أي أنها إيرانية الأصل وليست طارئة كاليهود والأرمن والمجوس والزرادشت. ويعترف دستور جمهورية إيران الإسلامية رسمياً بالأقليات الدينية الثلاث (والزرادشت واليهود والمسيحيون) والتي تتمتع بالحرية في مراسيمها الدينية، والعمل على وفق أديانها في مجال الأحوال الشخصية والتعاليم الدينية (المادة 13). وتنص المادة(14) على: ((بحكم الآية الكريمة(لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، أن الله يحب المقسطين))، فإن على حكومة الجمهورية الإسلامية الإيرانية وباقي المسلمين أن يعاملوا غير المسلمين بالأخلاق الحسنة، والقسط، والعدل الإسلامي، وان يراعوا حقوقهم الإنسانية. وإن هذا المبدأ أنما ينطبق على أولئك الذين لا يتآمرون ولا يعملون ضد الإسلام وضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية)). من الواضح أن النص يستبطن تلميحا ً بالاتهام بالخيانة المتوقعة من أتباع الديانات الأخرى. الجدير بالذكر أن أساس الانتماء في الجمهورية الإسلامية هو المواطنة أي أن كل من يحمل الجنسية الإيرانية يتمتع بجميع الحقوق والحريات المدنية والسياسية. ولا يعتبر الأنتماء الديني أو المذهبي أساسا ً في بناء الدولة. هذا المبدأ يتجسد بقوة في منح الأقليات الدينية حق التمثيل في البرلمان الإيراني. إذ تنص المادة(64) على أن ((ينتخب والزرادشت واليهود كل على حدة نائبا ً واحداً، وينتخب الآشوريون والكلدانيون معا ً نائبا ً واحدا ً، وينتخب المسيحيون والأرمن في الجنوب والشمال كل على حدة نائبا ً واحدا ً)) في مجلس الشورى الإيراني. أي أن هناك مقاعد في البرلمان الإيراني مخصصة لتمثيل الأقليات الدينية لا ينافسهم عليها المسلمون الذين يشكلون الأكثرية. وهذا بحد ذاته ضمان كبير وحق دستوري للأقليات الدينية.أما الدستور العراقي الجديد فقد تضمنت المادة (41) لأتباع الديانات والمذاهب حرية:1- ممارسة الشعائر الدينية.2- إدارة الأوقاف وشؤونها وسياستها الدينية. 3- تكفل الدولة حرية العبادة وحماية أماكنها.وتنص المادة (39) على ((أن العراقيين أحرار في الالتزام بأحوالهم الشخصية، حسب ديانتهم أو مذاهبهم أو أديانهم أو معتقداتهم أو اختياراتهم)). ولا يوجد في الدستور العراقي ما ينص صراحة على تمثيل الأقليات الدينية والقومية في مجلس النواب، لكن المادة (47 / أولا ً) تشير إلى أن تكوين مجلس النواب يجب إن ((يراعي تمثيل سائر مكونات الشعب فيه)). وهذه أشارة إلى ضرورة وجود تمثيل لجميع الأقليات القومية (الكرد والتركماني والكرد الفيلية والكلدو آشوريين والشبك))، والأقليات الدينية (المسيحيين والصابئة المندائيين والإيزديين)، لكن الدستور لا يوضح كيفية بلوغ هذا الهدف. من جانب آخر أوضحت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق على أن أصوات الأقليات الدينية لن تحتسب على أساس الدوائر الانتخابية لأنها تقيم في عدة محافظات، بل ستحتسب على أساس الدائرة الانتخابية الوطنية، إي مستوى العراق لضمان تجميع أصوات الناخبين المنتمين للأقليات. ويقر الدستور العراقي استخدام اللغات التي تتحدث بها الأقليات القومية والدينية في المؤسسات الرسمية والخاصة. إذ تنص المادة (3 / أولا ً) على ((حق العراقيين بتعليم أبنائهم باللغة الأم كالتركمانية والسريانية والأرمينية، في المؤسسات التعليمية الحكومية، وفقا ً للضوابط التربوية، أو بأي لغة أخرى في المؤسسات التعليمية الخاصة)). وتضمن المادة (3 / رابعا ً) على أن ((اللغة التركمانية واللغة السريانية لغتان رسميتان في الوحدات الإدارية التي يشكلون فيها كثافة سكانية)). وتنص المادة (3 /خامسا) على انه ((لكل إقليم أو محافظة اتخاذ إي لغة محلية أخرى، لغة رسمية أضافية، أذا أقرت غالبية سكانها ذلك باستفتاء عام)). من جانب آخر يشمل الأقليات مضمون المادة (41) التي تساوي بين جميع العراقيين بلا استثناء، حيث تنص على أن ((العراقيين متساوون إمام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي)).     أعدادد.م.سمير محمد آل مختاررئيس هيئة حقوق الانسان والمجتمع المدني