"طلعة البدن" رواية مسعد أبو فجر:

الأمكنة الهاربة لبدو سيناء

لعلّها المرّة الأولى التي تتسنّى لي فيها قراءة رواية مصرية خاصّة بالعالم الاجتماعي والثقافي والنفسي لبدو سيناء، أولئك الذين تعرّضوا لأنواع شتّى من التحدّيات اليومية، والذين عانوا قسوة التبدّلات السياسية والعسكرية، والذين حافظوا على تقاليدهم في العيش والتواصل مع الآخرين على التخوم القاسية للجغرافيا. ذلك أن «طلعة البدن»، المسرفة في استخدام تعابير وأغنيات ومفردات لغوية بدوية خاصّة بتلك القبائل المنتشرة في الصحراء الواقعة في قلب التحوّلات السياسية التي شهدتها تلك البقعة الجغرافية منذ الانتداب الإنكليزي والصراع مع العثمانيين، ونشوء دولة إسرائيل وحروبها ضد العرب، ثمّ سلامها مع مصر وبداية فترة مختلفة من العلاقات المتفرّقة بين أبناء القبائل والدولتين المتجاورتين (إسرائيل ومصر) والسيّاح القادمين إليهم للفرجة والمتعة و«التجارة»، شكّلت (الرواية) مرآة متواضعة وجميلة وهادئة عن عالم محفوف بالمخاطر والتهديدات والانقسامات والتمزّق، عاشه البدوّ في ظلّ مناخات قاتمة اعتادوا مخاطرها وآلامها، وعن تفاصيل هذا العيش بين الصحراء وما تحمله من مناخات وانفعالات وعلاقات، والمدينة (القاهرة) وما تنتجه من معان مختلفة وثقافة حياة جديدة بالنسبة إلى أبناء البدو، القادمين إليها من دون أن يتخلّوا عن ملامحهم الفطرية والثقافية الشعبية الخاصّة بهم. أما «طلعة البدن»، فبقعة جغرافية أشبه بجبل أو تلّة في مكان ما في سيناء، أو بالأحرى شاهق أسماه أجداد الراوي هكذا لأنه تبدّى لهم حين رأوه للمرّة الأولى «كبدن أنثوي يطلع من ثوبه» (ص 138). لكنه، في رواية مُسعد أبو فجر، لم يبق مجرّد حيّز مكانيّ فقط، إذا شكّل للقارئ انعكاساً لجمال الطبيعة وبهاء سحرها، كحال تلك البقاع المترامية على الرمال، لأنه بات مساحة شهدت نهاية سرد حكائيّ عن أناس وتفاصيل متداخلة ونزاعات وخبريات مستلّة من التاريخ القديم واللحظات الآنيّة. وعلى الرغم من قدرة القارئ على تبيان منحى سوسيولوجي ما في طيّات النصّ، إلاّ أن الرواية حافظت على شيء من تقنية السرد الحكائيّ، التي تضمّنت مزيجاً من تحليل ذاتيّ لتلك البيئة، ومعالجة فنية لوقائع تاريخية مشغولة بنكهة أدبية سلسة، ومعاينة جمالية لعلاقات قائمة بين البشر والحيّزين المكانيّ والزمنيّ المقيمين فيهما، وأيضاً بين هؤلاء البشر بعضهم ببعض. وإذا قدّم مُسعد أبو فجر لائحة صغيرة في نهاية كتابه هذا احتوت على عناوين أربعة كتب فقط («الكتاب المقدّس»، «تاريخ سيناء» لنعوم بك شقير، «لورانس» لأنتوني ناتنغ و«شارون قيصر إسرائيل» لعوزي بنزيمان) استعان بها لرسم صُورَ متفرّقة عن أحوال البدو وسيناء في مراحل زمنية مختلفة، إلاّ أن هذه الاستعانة ظلّت منضوية في صلب الكتابة الروائية المتمكّنة من سرد التفاصيل والخبريات بـ«لغتها الأصليّة»، إذا جاز التعبير. أي إن «طلعة البدن» ليست نصّاً اجتماعياً أو تاريخياً، بل أدب مكتوب بنبض حيويّ جميل، وإن لم يبلغ مرتبة الإبهار في استعادته المكان الجغرافيّ الذي أنزل لعنة على أبنائه بسبب تمدّده بين دول ومصالح وعلاقات مرتبكة، مع أنهم (أي أبناء البدو) يُتقنون «فن العيش» على الحدود الناشئة بين هذه الدول والمصالح والعلاقات المرتبكة. في مئة وأربعين صفحة من الحجم الصغير، روى مُسعد أبو فجر لحظات مستلّة من التاريخ والآنيّ معاً، وفصولاً من السير الذاتية والحياتية لأناس لم يتردّدوا لحظة عن مواجهة التحدّيات الخطرة بما امتلكوه من حكمة وذكاء فطريين. وفي لعبة جميلة اتركزت على إلغاء الحدّ الفاصل بين المراحل الزمنية والأمكنة الجغرافية (إذ ينتقل الراوي، فجأة، من مرحلة إلى أخرى ومن حيّز إلى آخر بشيء من النكتة الجميلة التي يستعين بها عندما يتوجّه بكلامه إلى القارئ)، غاص النصّ الروائي في تشعّبات الحبّ والتجارة والعلاقة بالأرض والناس والنزاعات العنيفة التي مرّت بين مضاربهم ونزواتهم، وسلّط أضواء عدّة على تصرّفات سلوكية خاصّة بأجيال مختلفة. كما أنه (النصّ الروائي) لا يتغاضى عن الممارسات الشاذّة لرجال أمن مصريين في تعاطيهم مع أبناء البدو، ويمعن تنقيباً في المعالم الإنسانية الخاصّة بهؤلاء الأخيرين (أبناء البدو) التائهين وسط انتماءاتهم القاسية للبراكين الكامنة في السياسة والجغرافيا معاً.

رواية جميلة تبدأ من سرد الفرد حكايته وحكاية بيئته، وتمتدّ إلى الجماعة في تقلّباتها وأمزجتها وتحدّياتها الدائمة.  

بقلم نديم جرجورة

نقلا عن جريدة السفير البيروتيه