سياسة "وين ما كان"!

سياسة "وين ما كان"!*

بقلم: محمد العثمان

        سفوح جبل شامخ، يكسوه ثلج شباط (فبراير) شباط اللباط بالتعبير اللبناني، هو أول ما يشاهده المسافر من الطائرة للبنان. بالطبع تختلف المناظر طبيعة وجمالاً من خطوط طيران لأخرى. الوجوه في لبنان بدءاً من موظفي المطار، وجوه تبعث الألفة وتطوي مسافات البعاد بين البشر.

في لبنان، الطبيعة أكسبت الوجوه سماحة ورقة ولا أحلى من "هيك". تعلو المحايا الابتسامات. تقطر الألسن عسلاً صافياً تتحدر منها الحروف وكأنها سيلاً ناعماً. "تأبر ألبي"، تكرم عينك، تأمرني، شرفتنا، و"يسلمو"... إلخ من مفردات القاموس اللبناني الفريد.

        استقبلني د. رافي والزميلة مارلين، بحفاوة وترحاب بالغين. ومذ ان استقلينا السيارة، بدأت السياسة تطل برأسها الذي أصبح قاعدة بالنسبة للعرب. وبدلاً من أن تطل السياسة برأسها على الناس، أصبحت السياسة هي الواقفة دائماً على باب الحوارات بين العرب! غابت الثقافة وغاب الفن وأضحت العلائق الاجتماعية على الرف؛ لتكون السياسة هي مدار رحى الأحاديث في دنيا العرب. وبقية الموضوعات هي التي تطل وتتطفل على مواضيع السياسة، وليس العكس.

ولكي انتقل من السياسة إلى موضوعات أخرى كان لابد من السؤال الملحاح في رأسي: ما علاقة طبيعة لبنان الرائعة وملامح البشر الجميلة بتلك الأسماء غير المناسبة (الكريهة)، أو الدالة على أشياء لها علاقة بالموت كـ"نهر الموت"، أو المعصية كـ"نهر العاصي"، أو الصفات غير المحببة كـ"نهر الكلب"! وغيرها من أسماء متناقضة مع جمال الطبيعة وملامح البشر في لبنان.

رواد وأدباء وفلاسفة لبنان تأثروا بمثل هذه المسميات غير اللطيفة بالمطلق. رغم جمال الروايات والقصص اللبنانية، والتي تشع عذوبة ولغة رصينة، ورقي أدبي، وحبكات فنية رائعة، ومضامين سامية رفيعة. فهذا الفيلسوف الأديب ميخائيل نعيمة يشير في رواية "لقاء" إلى مغارة "الثعالب"، والتي كان يلجأ إليها بطل الرواية مرهف الحس "ليوناردو"!

"مارلين" تروي أن أصل تسمية نهر الموت، انه كان الموتى الذين سقطوا في الحرب يدفنون أو يرمون فيه. أما أستاذها "رافي" فإنه يشير إلى رواية أخرى عن هذا النهر حيث يقول: بأن أصل تسميته بنهر الموت لأنه يخرج من اليابسة حياً ويصب في البحر فيموت، ولا يستفاد منه مثل بقية الأنهار. أما نهر العاصي فتعلق "مارلو" كما يدعوها "رافي" على تسميته بالعاصي بأنه يصب خارج الحدود اللبنانية ولذلك فإنه عاصي! أما رأيتم كيف تدور الأحاديث وتعود إلى السياسة، ولكنها – بالطبع- أكثر لطافة من عنف الساسة أنفسهم!

وفي نهاية اليوم، طوينا طريقنا إلى منطقة إقامتي، والتي لم يكن لي يد في اختيارها، فكرم الزميل رافي كان أبعد من الحدود التي رسمتها في مخيلتي. أسم المنطقة أعاد في رأسي مرة أخرى السؤال الملحاح بشأن هذا التناقض بين جمال الأشياء وقبح التسميات في لبنان. حيث انه بحسب اللهجة البحرينية الدارجة فإن "زلقا" وهي منطقة إقامتي تشير إلى زلق أو انزلاق، وأعاذنا الله من الزلقات والانزلاقات! ويبقى لبنان الأحلى والأجمل مهما كدرت ذلك المسميات!

 من شقة زلقا

*منشور بصحيفة البلاد فبراير/ شباط 2009