في لبنان : قتل الحرية بلا عقاب

 

       لبنان دولة ذات خصوصية كبيرة في المنطقة العربية ، فهي ساحة متكررة لإعادة إنتاج توازن القوي في المنطقة ، وتركيبها الطائفي جعل من كل قواها السياسية نقطة إنطلاق لقوي سياسية خارجية عديدة لقلب منطقة الشرق الأوسط ، الخريطة السياسية اللبنانية وتوازناتها دائما وأبدا ما تعكس الوضع في إقليم الشرق الأوسط وتفاعلاته مع الأطراف الدولية ، إنها ساحة صراع المحور الأمريكي الإسرائيلي من جهة ، والمحور السورري الإيراني من جهة أخري ، والذي بناءا علي توازناته تتحرك المنطقة بإتجاه مزيد من التشدد أو الليونة . ولبنان واحة الديمقراطية الستينية والسبعينية في الوطن العربي ، أصبح مقتلها الأن في الصراعات الطائفية وتشابكاتها بالإطراف الخارجية ، ودفع ثمن هذه الصراعات غالبية المثقفين اللبنانيين الذين عادوا الطائفية ، وناضلوا لبناء وطن لبناني لكل مواطنيه – سواء كان إشتراكيا أم ليبراليا منفتحا علي قيم الغرب – ومن هؤلاء من دفع حياته ثمنا لذلك مثل : مهدي عامل ، حسين مروة ، وغيرهم .

     ويعد أبرزهم في الجيل الحالي الصحفي اللبناني سمير قصير الذي إغتيل في 2005 وتمر خلال تلك الإيام ذكراه الرابعة في وقت تعاني فيه لبنان بشدة من الصراع بين المحورين سالفي الذكر . وعُرف قصير بحدة انتقاداته للتواجد السوري في لبنان، ومناهضته لاستمرار هذا التواجد، ودعوته الدءوبة لبسط السيادة اللبنانية على أراضيها، وازدادت حدته في النقد عقب الحادث الشهير لاغتيال رفيق الحريري رئيس الوزراء اللبناني السابق في 2004. من اللافت للنظر أن عام 2005 يُعدّ بامتياز عام استهداف الصحفيين المعارضين للنفوذ السوري في لبنان، حيث لم يتم التخلص من قصير فحسب؛ إذ تم اغتيال جبران تويني مدير تحرير جريدة النهار في 12 ديسمبر 2005، وذلك بتفجير سيارته. كما تعرَّضت مي شدياق المذيعة بالمؤسسة اللبنانية للإرسال في سبتمبر 2005 لمحاولة اغتيال، فقدت فيها إحدى ذراعيها وإحدى ساقيها، بسبب انفجار قنبلة تحت مقعد السائق في سيارتها. وفي ذات السياق، يذكر أيضًا أن جورج حاوي الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني قد اغتيل بتفجير سيارته أيضًا في 21 يونيو 2005، أي بعد اغتيال قصير بنحو 3 أسابيع. أربع سنوات مرت علي إغتيال سمير قصير وتلاه العديد من الصحفيين والسياسيين والفاعل ما زال مجهولا .  

    ولهذا – وفي رثاء قصير – أصدرت العديد من المنظمات الحقوقية العربية بيانا تم نشره علي موقع الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان  عبرت فيه المنظمات الحقوقية العربية الموقعة على هذا البيان عن قلقها العميق إزاء استمرار إفلات الجناة في حادث اغتيال الصحفي اللبناني سمير قصير من العقاب، رغم مرور أربعة سنوات على الحادث الأليم. ويذكر أنه في صباح يوم الثلاثاء الموافق 2 يونيو 2005، كان قصير متوجهًا لمقر عمله في صحيفة النهار ببيروت. واستقل كالعادة سيارته الرابضة أسفل البناية التي يقطنها في حي الأشرفية، وما أن استقر في مقعد القيادة، حتى انفجرت قنبلة كانت مُثبتة تحت المقعد، الأمر الذي أدى إلى وفاته على الفور. و بجانب كونه صحفيًّا بارزًا، كان قصير، المولود في 1960، مثقفًا مرموقًا حيث نال في 1984 إجازة في الفلسفة السياسية من جامعة السوربون في باريس، وفي 1990 حصل على شهادة الدكتوراه في التاريخ الحديث من الجامعة ذاتها. وقام بتدريس العلوم السياسية في جامعة القديس يوسف في بيروت. وانتشرت كتاباته في العديد من الصحف ومنها جريدة النهار اللبنانية والحياة الدولية و"لو موند ديبلوماتيك" الفرنسية. كما ساهم في تأسيس حركة اليسار الديمقراطي في لبنان في 2004. وقالت المنظمات الموقعة اليوم "القلق يعترينا من تفاقم ظاهرة الإفلات من العقاب في لبنان. لم يتم بعد العثور على القتلة في العديد من حوادث الاغتيال هناك، والتي راح ضحيتها صحفيون وسياسيون، رغم مرور سنوات على البدء في التحقيقات". وأضافت المنظمات "نخشى أن تؤثر التطورات الأخيرة على صعيد العلاقات الدولية، التي تشهد تغييرًا في سياسات الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا تجاه الحوار مع بعض دول المنطقة، في مسار التحقيقات ونتائجها. ينبغي ألا تؤدي المفاوضات والصفقات السياسية إلى مزيد من إهدار الوقت وتعطيل العدالة؛ لذا فنحن نطالب القائمون على التحقيقات في حوادث الاغتيال في لبنان بسرعة إنجاز مهامهم؛ حتى لا يستمتع القتلة بسنوات إضافية من الحرية دون محاسبة ودون عقاب".

      وعلي صفحات مدونته قال اللبناني زياد ماجد إن إغتيال قصير لم يكن فقط جريمة أصابت مؤرّخاً وأستاذاً جامعياً وصحافياً وصديقاً ورفيقاً فحسب. كان أيضاً محاولة تصفية لما مثّله من قيم انفتاح ونزاهة والتزام ثقافي وسياسي، وكان عقاباً على ما عبّرت عنه سيرته من شجاعة وإقدام وجدّية وطموح، وكان سعياً لإعدام احتمالات أراد التمركز على خطوط تقاطعها: احتمالات بناء ديمقراطية وتأسيس نهضة وإحياء عقلانية لا تخشى الأسئلة والمسّ بما يخاله البعض مسَلّمات. وأضاف زياد في مثل هذا اليوم من أربع سنوات، مات شيء فينا. شيء يصعب تعريفه. ربما هو العلاقة بالسياسة كما أردناها: منطلقاً نبيلاً لجمع الناس حول انتماء الى مشروع، الى رؤيا، الى وطن يعتزّ ابناؤه بالعيش فيه بحرية، نابذين كل عنصرية أو شوفينية دافعة الى الانعزال. وربما هو العلاقة بالمدينة: ببيروت الواقعة على حدود البحر، على تخوم أمواجه التي لا تهدأ في سفرها بين ضفّة وأخرى، بين مرفأ وآخر، وبين فكرة وخاطرة. أو ربما هو العلاقة بالصداقة: بذلك الرابط الذي ينسى المرؤ قوّته في لحظات تغلّب "النضال" وأولويّته على الضحك والسمر، وفي أوان تحوّل المظاهرات والاجتماعات والصخب ودخان السجائر المحترقة على وقع النقاش الى إدمان يزيح من دربه متعة السير على كورنيش والثرثرة في مقهى أو الجلوس بصمت وبكسل ممتع في مكان لا تحيط به هواجس الغد ولا مشاكل الحاضر. وسرعان ما أستدرك زياد مؤكدا أن هذا اليوم من أربع سنوات، أعطى رغم كل ما سلب، ورغم بشاعة المجزرة التي شهدها والتي أصابت شخص سمير وجهده وأيّامه وآماله وإنجازاته وإخفاقاته وحبّه وابتساماته، أعطى رغبة بالتحدّي وبالدفاع عن إرث غنيّ تركه ابن الخمسة وأربعين ربيعاً: إرث التمسّك بالحرية، بالعدالة، بالعقل، بالنقد، وبعشق بيروت مدينة للأحلام ولو ناقصة، وعاصمة "للبنان الديمقراطي المستقل والمستقر" الداعم ثقافياً لكل قضايا التحرّر في محيطه: التحرّر من الاستبداد في سوريا، ومن الاحتلال في فلسطين، ومن الظلامية في كامل المنطقة العربية. واليوم، كما يؤكد زياد في هذه الذكرى، وعشية انتخابات هي الثانية منذ انتفاضة الاستقلال التي مات في خضمّها سمير، ورغم الملاحظات والانتقادات على التشكيل الرديء للوائح وعلى الخطاب المتهتّك ومفرداته الفقيرة وعلى غياب البرامج وعلى بهتان الثقافة السياسية الناظمة للعملية الانتخابية وسوء القوانين المعتمدة فيها، فإن هزيمة المعسكر المتبنّي كل ما ناضل ضدّه سمير، "معسكر 7 أيار"، تُبقي الأمل في أن الحلم الذي احتضر في 2 حزيران 2005 ما زال يصارع متمسّكاً بالحياة، مفتّشاً عن عبق جديد وعن هدوء يتيح له القيامة يوماً ما، في 2 حزيران، أو في 14 آذار، بعد عام، عامين، أو أكثر...

     وتخليدا لذكري سمير قصير أسس أصدقائه ورفاقه بعد إغتياله " مركز سمير قصير للدفاع عن الحريات الاعلامية والثقافية " كمحاولة لإستمرار نهجه ونضالاته . وحتي الأن لا يبدو في الأفق أن مرتكب الجريمة – فردا كان أم جماعة ، لبناني أم أجنبي – في طريقه للعقاب ودفع الثمن .