الصحافة الفلسطينية رهن الإعتقال

 

      كانت القضية الفلسطينية – وما زالت وإن بمعدلات أقل – هي الجرح الأول لكل المناضلين العرب من كل الإتجاهات السياسية ، وكانت الحدث الوحيد القادر علي تجميع كافة الفرقاء السياسيين منحيين خلافاتهم جانبا لدعم نضال الشعب الفلسطيني . ولكنها الأن وبعد الإنقسام الفتحاوي – الحمساوي أصبحت علي شفا كارثة تنذر بإهدار النضال الفلسطيني بمجمله .  و يعيش الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة وضعاً بالغ التعقيد، بقدر ما يتعلّق الأمر بتعدد السلطات الرقابية. ويصدق هذا الوضع، بشكل خاص، على العاملين في حقلي الثقافة والإعلام. ففي بلدان الشرق الأوسط مثلا، وهي بلدان غير مشهود لها باحترام حرية التعبير، تمارس الدولة باعتبارها صاحبة الحق في احتكار وممارسة العنف، دور الرقيب، وتعيين الحدود التي لا ينبغي تجاوزها، وكذلك الإجراءات العقابية الناجمة عن انتهاك تلك الحدود. وتتعدّد السلطات الرقابية في الأراضي الفلسطينية المحتلة بفعل تعدّد السلطات، التي تحتكر العنف وتمارسه، وتتبنى تعريفات متباينة للحدود التي لا ينبغي تجاوزها. وهذا الوضع فريد. فهناك سلطة الاحتلال، والسلطة الفلسطينية، وسلطة الميليشيات المسلحة، وسلطة التمركزات الاجتماعية، وأخيرا سلطة الجغرافيا السياسية للضفة الغربية وقطاع غزة. لا تمارس سلطة الاحتلال الرقابة، ولا تحتكر العنف باعتبارها قوّة احتلال، استنادا إلى قوانين وإجراءات قانونية، ذات مرجعيات دولية، أو إسرائيلية معترف بها داخل الخط الأخضر. فقد رفضت إسرائيل، وما تزال، الاعتراف بالقوانين والمعاهدات ا لدولية الخاصة بالمناطق الواقعة تحت الاحتلال. كما أنشأت نظاماً قضائياً استناداً إلى قوانين وأوامر عسكرية خاصة، يعود بعضها إلى زمن الانتداب البريطاني في فلسطين، ويمثّل البعض الآخر ما تراكم من قوانين وأوامر أصدرتها الإدارة العسكرية منذ وقوع الضفة الغربية وقطاع غزة في قبضة الاحتلال الإسرائيلي في العام 1967. لم تتمكن السلطة الفلسطينية، التي نشأت في الضفة الغربية وقطاع غزة منذ أواسط التسعينيات، من إقرار تلك الصيغة على رغم امتلاكها دستوراً. وتعتمد تلك السلطة جملة من القوانين المستمدة من اجتهادات قانونية تبلورت في سياق أجهزة ومؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، إلى جانب بعض القوانين والإجراءات الأردنية والمصرية الموروثة من فترة ما قبل العام 1967. وفي جميع الأحوال، فإن وجود السلطة الفلسطينية يعتبر رمزياً في جوانب كثيرة، وبالتالي فإن احتكارها للعنف وممارسة سلطة الرقابة يتجلى في نطاق ضيّق. وبالنسبة للميليشيات المسلحة التي انتشرت على نطاق واسع منذ نهاية التسعينيات، فلا توجد لديها مرجعيات قانونية. وتبرر احتكارها للعنف، وما يترتب عليه من ممارسة لسلطات رقابية، بالاستناد إلى شرعية ثورية مستمدة من فعل مقاومة الاحتلال. وغالبا ما تتُرجم شرعية كهذه من خلال اجتهادات أيديولوجية وسياسية تحقق مصالح حزبية آنية وضيّقة النطاق وتخدمها. تتضافر السلطات الرقابية للميليشيات المسلحة مع التمركزات الاجتماعية، وتعتبر امتداداً لها. وتمتلك الأخيرة نفوذاً خاصاً في مجتمع يميل إلى المحافظة بخطوات متسارعة، وتتراجع وحدته الاجتماعية من الاستناد على أسس وطنية عامة، إلى الارتكاز على تحالفات اجتماعية هشّة تستند إلى تمركزات عائلية وجهوية. وكذلك تتجلى السلطات الرقابية في تحيّزات سائدة تعيق الفردانية والممارسة النقدية، وتهدّد بالنبذ الاجتماعي (ناهيك عن الإيذاء الجسدي في حالات معيّنة) كل محاولة لمساءلة السائد والمألوف. أخيرا، تساهم الخصائص الجغرافية للضفة الغربية وقطاع غزة في خلق سلطات رقابية، وإن يكن بطريقة غير مباشرة. إذ يمثّل الأردن بوابة الفلسطينيين في الضفة الغربية إلى العالم الخارجي، كحال مصر بالنسبة لمواطني قطاع غزة. وفي الحالتين، ينبغي للعاملين في حقلي الثقافة والإعلام مراعاة حساسيات سياسية معيّنة تخص البلدين، لضمان حرية الحركة من الضفة والقطاع وإليهما. إذاً، نحن أمام خمس سلطات رقابية متباينة القوة والنفوذ، لكل منها تعريفات خاصة لحدود حرية التعبير، وأدوات رقابية خاصة، وإجراءات عقابية متباينة. وكذلك لا تقدّم ضمانات للعاملين في حقلي الثقافة والإعلام. وفي تعددية الحدود والأدوات والسلطات وغياب الضمانات، ما يفسّر عدداً من الظواهر الخاصة بحقلي الثقافة والإعلام في الضفة الغربية وقطاع غزة. ويمكن إيجاز تلك الظواهر على النحو التالي: أولا، على رغم ما يُقال عن المساحة الواسعة لحرية التعبير في الضفة الغربية وقطاع غزة بالمقارنة مع الوضع في بلدان عربية أخرى، إلا أن هذه المساحة تنجم غالباً عن عدم وجود سلطة مركزية تحتكر العنف وممارسة الرقابة. إذ كانت السلطة الفلسطينية/ وما تزال، غير متفرغة للشأن الداخلي. ولن تتمكن من التفرّغ لأمر كهذا قبل استتباب الوضع بالمعنى السياسي، واستكمال بناء المؤسسات. ولن يحدث في وقت قريب. ومع ذلك، فقد شهدت الفترة من أواسط التسعينيات وحتى اندلاع الانتفاضة الثانية، (هي فترة تتسم بالاستقرار النسبي) مؤشرات تدلّ على بروز ميول جنينية تجاه حريّة التعبير تشبه إلى حد بعيد الوضع في كثير من البلدان العربية التي استند حكّامها إلى شرعيات ثورية، وانتهى بهم الأمر إلى إنشاء دكتاتوريات سافرة. وتعززت تلك الميول بشكل واضح لدى السلطة الفلسطينية بعد استيلاء "حماس" على قطاع غزة، والخوف من تكرار تجربة غزة في الضفة الغربية. وبالقدر نفسه، تحوّلت الميول الجنينية التي كانت تحتاج إلى سنوات طويلة لتصبح واقعا على الأرض، إلى واقع ملموس (وفي فترة قياسية) في قطاع غزة. وتجلى ذلك الأمر منذ استيلاء حركة "حماس" على القطاع، وإنشائها لنظام يحتكر العنف، ويمارس الرقابة، استنادا إلى آليات عمل وسلوك ميليشيا مسلحة، ومدى بعدها أو اقترابها من فكرة القانون، والحق في حرية التعبير. ثانياً: يؤدي التدقيق في خصوصية ما يوصف بالمساحة الواسعة نسبياً لحرية التعبير، إلى تقويمها بشكل أفضل. ففي حين تحتل السياسة الحيّز الأكبر من اهتمامات العاملين في الحقل الثقافي والإعلامي والفني، إلا أنها غالباً ما تكون مُفرغة من المضمون الاجتماعي أولاً، وتظهر كجزء من التمركزات والصراعات الحزبية ثانياً. ويلاحظ أيضاً أن ما يتعالى منها على منطق التمركزات الحزبية يقع عامداً (في حالات كثيرة) ضحية الخلط بين الحق في المعرفة والضرورات الوطنية. يغيب المضمون الاجتماعي من خلال رفع القيم الاجتماعية والثقافة السائدة فوق النقد، وفصلها عن السياسة. وتظهر الأمثلة على ذلك في قضايا الفساد المالي والإداري، الصراع على السلطة، ظهور الميليشيات، والعمليات الانتحارية وغيرها. ولا تُناقش تلك القضايا باعتبارها ظواهر اجتماعية وثيقة الصلة ببنية المجتمع الفلسطيني وثقافته السائدة، بل تُناقش باعتبارها ظواهر سياسية، يُبرر وجودها وجود الاحتلال. وغالباً ما يشكّل الانتماء إلى جماعة سياسية نوعاً من الحماية للعاملين في الحقل الثقافي والإعلامي، ويمنح حصانة لا يُستهان بها في مجتمع تكثر فيه الميليشيات المسلحة. ولذا، فإن السجالات السياسية، التي يُراد منها في أغلب الأحيان دحض وجهة نظر الطرف الآخر (وعلى رغم نـزعتها التحريضية)، إلا أنها الأكثر صراحة في التعبير عن مواقف، والاقتراب من مناطق محظورة، وكشف حقائق. وبذا، تستطيع ان تقترب الى المسائل التي يخشى غير المتمتعين بهذا النوع من الحصانة التعبير عنها بطريقة مباشرة. بيد أن هذه الصراحة، التي تبرر الكلام عن المساحة الواسعة من حرية التعبير مقارنة ببلدان عربية أخرى، لا تحظى بمصداقية عالية بسبب التحيّزات الأيديولوجية والانتماءات السياسية لأصحابها، تفشل تالياً في التأثير على الرأي العام. وعلى رغم أن الاستقلالية تمنح العاملين في الحقل الثقافي والإعلامي مصداقية أكبر، إلا أن عدم وجود حصانة، وضمانات قانونية، وغياب الحماية الحزبية، كلها أمور تساهم في تركيز المستقلين إما على نقد الاحتلال  أو على جوانب عمومية تحظى بالإجماع من نوع المقاومة والوحدة الوطنية وغيرهما.

      والأن أصبحت حماس تتحكم بغزة ، وفتح تتحكم بالضفة الغربية ، ويدفع الشعب الفلسطيني ثمنا باهظا لذلك ، ولكن الثمن الأكبر يدفعه الصحفيون الفلسطينيون ، فأن تكتب مقالا منتقدا حماس فذلك يعني أنك موالي لفتح بما يعني أنك ستكون مطاردا من جحافل حماس أينما حللت ، ومعرضا لفقدان حياتك بكل سهولة ، وأن تنتقد أداء سلطة الفلسطينية فأنت حمساوي حتي النخاع وعليك التعامل مع جهاز الأمن الوقائي الفلسطيني التابع للسلطة بما يشتهر به من باع طويل في التعذيب . وهذا بالفعل هو واقع الصحفيين الفلسطينيين . هذا الأسبوع ذكر موقع الشبكة الدولية لتبادل المعلومات حول حرية التعبير  نقلا عن مركز المدي للحريات الإعلامية  & ونقلا عن مركز حماية حرية الصحفيين  قلق المركز الشديد من من استمرارالاعتقالات في صفوف الصحفيين والكتاب من قبل الأجهزة الأمنية في قطاع غزة, والضفة الغربية, واستمرارها في احتجاز عدد منالصحفيين في سجونها(إياد سرور،مصطفى صبري،مراد أبو البهاء، يونس حساسنة) . حيث قامت الأجهزة الأمنية في قطاع غزةباعتقال رئيس تحرير موقع صحيفة الصباح سري محمد القدوة(42عاما) من منزله في مدينة غزة في 23/6 بعد تفتيشه, ومصادرة جهازي لاب توب وجهازي كمبيوتر وفاكس بالإضافة إلى هاتفه النقال وفقا لما أفادت به زوجته, في حين قامت جهاز الأمن الوقائي باعتقال مراسل صحيفة الحقيقة الدولية الأردنية قيس أبو سمرة في 23/6 ،كما اعتقل جهاز الاستخبارات العسكرية الكاتب سري عبد الفتاح سمور (35عاما) في 20 حزيران الحالي بعد استدعائه لمقرهم في مدينة جنين بواسطة الهاتف, وتعتقد زوجته إن الاعتقال جاء على خلفية مقالاته التي ينشرها في عدد من المواقع الإخبارية مثل الحقائق وعرب تايمز بالإضافة إلى مدونته, حيث لم توجه له أية تهمة . وذلك بالإضافة إلي الصحفي مصطفي صبري الذي ما زال جهاز الأمن الوقائي التابع للسلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية، يرفض الافراج عن الصحافي الفلسطيني مصطفى صبري (43 عاما") مراسل صحيفة "فلسطين" التابعة لحركة "حماس" ومجلة "المجتمع" الكويتية، الذي حصل على قرار قضائي بالافراج عنه من محكمة العدل العليا الفلسطينية في 15 حزيران 2009، من دون توضيح الاسباب . والمعلوم أن صبري، الحاصل على جائزة الشجاعة الصحافية للعام 2008، اعتقل بتاريخ 21 نيسان 2009 ، ونقل الى المستشفى مرتين بعد تدهور حالته الصحية جراء التعذيب الشديد الذي تعرض له خلال التحقيق في السجن الانفرادي، ولم يسمح لعائلته بزيارته إلا مرة واحدة في المستشفى ولدقائق معدودة، وقد قدمت عائلته شكوى بحق جهاز الامن الوقائي في مدينة قلقيلية أمام محكمة العدل العليا الفلسطينية في منتصف أيار، وقد أجِلت جلساتها أكثر من مرة، إلى أن أصدرت قرارها الأخير بالافراج عنه خلال الجلسة التي عقدتها في الخامس عشر من الشهر الجاري، لكن القرار لم ينفذ حتى اللحظة.  ، وقد أدان مركز الدفاع عن الحريات الاعلامية والثقافية "سكايز"  تعمُد جهاز الامن الوقائي في الضفة عدم إطلاق الصحافي مصطفى صبري، الذي اعتقل أساساً من دون أي مسوَغ قانوني، ويعتبر الخطوة تحدِياً للسلطة القضائية الفلسطينية التي يجب أن تكون قراراتها محترمة من قبل الجميع ، ومن دون أي استثناء، كما يجب أن تكون المرجع الوحيد الصالح لأي توقيف ومحاكمة تبعاً للاختصاص، ويضع ما يجري في عهدة الرئيس محمود عباس شخصياً، عسى أن تكون مناسبة اليوم العالمي لمناهضة التعذيب التي تصادف اليوم 26 حزيران، حافزاً إضافياً لإنهاء القضية، وإقفال القضايا الأخرى المماثلة .     وقال مركز المدي "إن هذا التدهور الجديد للحريات الإعلامية في الأراضي الفلسطينية يأتي كانعكاس لاسستمرارالتوتر بين حركتي فتح وحماس". وأدان مركز مدى هذه الانتهاكات للحريات الإعلامية في الأراضي الفلسطينية، ودعا الطرفين إلى التوقف عنها وإطلاق سراح كافة الصحفيين المعتقلين، والسماح للصحفيين ووسائل الإعلام بالعمل بحرية وأمان.