جمال عيد يكتب : التائبات عن الفن والتائبون عن حقوق الانسان (1-2)

رأي
كتب :

بدأت الموجة، أو لنقل هوجة اعتزال بعض الممثلات، في منتصف الثمانينات، واستمرت حتى اليوم، حدث ان تراجعت حدة الموجة أو الهوجة ، لكنها لم تتوقف.

 والاعتزال أو التقاعد حق لكل إنسان سواء أعلن عن الاسباب أو لم يعلن.

لكن العديد منهن لم يعتزلن أو يتقاعدن ، بل أعلن انهن “تُبنَ” عن الفن !

وشتان الفرق بين الاعتزل أو التقاعد ، وبين التوبة ،

بين الابتعاد والتنحي والتوقف عن عمل والخلود للراحة ، وبين الندم على فعل والتعهد بعدم إتيانه وتكراره مرة أخرى.

واذا كان الفن فعل يستحق التوبة كما يدعين ، فإن ما حظت به كل تائبة نتيجة هذا الفعل سواء شهرة أو مكاسب وأموال هو ، وبمد المنطق على استقامته ، حرام وملوث ، والمبني على باطل باطل.

بالطبع لم تتخلى إحداهن عما حظين به نتيجة هذا الفعل اللاتي تبن عنه ، فنفس المشايخ والدعاة الذين حرضوا وشجعوا وحبذوا التوبة عن الفن ، بعدما راجت تجارتهم مع استقرار الحقبة النفطية الخليجية واعتبروا التشجيع على التوبة عن الفن أخذا بأيديهن لطريق الهدى والصلاح، وجدوا لهم مخرجا وحللوا لهم نتائج الفعل الحرام ، وهل يتوب الانسان سوى عن الحرام؟!

تحول الفن إلى ظلمات إنتقلن بعدها إلى النور مثلما حدث مع أولى تائبات الثمانينات شمس البارودي ، او التخلص من ألم الصراع بين الفن والهداية إلى الله حسب ما أعلنت عنه أخر التائبات منذ شهور قليلة المطربة أمل وهبي.

يمكنك بسهولة العثور على أسماء العشرات ممن  أعلن التوبة عن الفن ، لكنك ببعض التحري ، ستجد أن أغلبهن حتى وإن حازوا على الشهرة ، لم تتركن بصمة واضحة أو مؤثرة في الفن ، بالطبع هناك استثناءات لفنانات يتمتعن بالموهبة مثل سهير البابلي أو حنان ترك ، لكنه استثناء يؤكد القاعدة ، فضلا عن كلاهما أعلن اعتزال الفن وليس التوبة عنه ، وحين بحثت عن أحاديث وتصريحات على لسان كلٍ منهما ، لم ترد التوبة على لسان كلاهما ، بل كان تعبير التوبة تأويل لصفحات و فيديوهات ينشرها ويديرها متشددين ، اغلبهم وهابيين بالطبع.

أما الاخريات ، ورغم الشهرة العريضة التي قد تكون بعضهن تمتعن بها ، فلا تعني بالضرورة فنا وموهبة وبصمة مؤثرة ، وأمثلة سهير رمزي وعفاف شعيب أو شهيرة أو نسرين وغيرهن ، شاهد على ذلك.

ومن الغريب ان كثير منهن رحن يلعبن دور الناصح والداعية لغيرهن وضرورة التوبة عن الفن ، او الاكتفاء بالفن الهادف والفن الملتزم والفن النظيف !! اذا كان هناك فن نظيف ، فهناك فن وسخ!.

–        حينما يتعلق الأمر بالهداية والدين ، فلا تحدثني عن الفن

هذا هو شعار و حال التائبات عن الفن ، وهو يشبه كثيرا مقولة ، لم يقلها رئيس وزراء بريطانيا السابق ديفيد كاميرون ، بل اختلقها بعض المحسوبين على حقوق الانسان  ونسبوها له ، ثم تلقفها شيوخ ودعاة الوطنية الجدد، وراحوا يكررونها ” حينما يتعلق الأمر بالامن القومي لاتحدثني عن حقوق الانسان” !!

ومثلما أعلنت بعض الممثلات التوبة عن الفن ، لانهن إكتشفن تعارضه مع الدين الصحيح على يد مشايخ النفط والدعاة الجدد ، فقد أعلن العديد من المحامين والنشطاء التوبة عن حقوق الإنسان ، لأنهم اكتشفوا تعارضه مع الوطنية ،على يد الخبراء الاستراتيجيين والضباط السابقين، والحاليين.

وبالطبع لا يستقيم الدفاع عن حقوق الانسان مع الحرب على الارهاب. في نهجهم!

الفنانات التائبات يقلن ان الدين الصحيح يستدعي التوبة عن الفن ، والاستثناءات بسيطة ،بينما الحقوقيين التائبين يقولون أن الوطنية الصحيحة تستدعي التوبة عن حقوق الانسان ، دون استثناءات ، أو هكذا أظن !

لم يتأثر الفن كثيرا ، او قليلا ، باعتزال أو توبة بعض الفنانات ، كما لم تتأثر حقوق الانسان بتحول أو توبة بعض النشطاء ، ما تغير “او تأثر” هو مظهر ودرب التائبات والتائبين ، وادوت من يحركوا عرائس الماريونيت من مشايخ الوهابية أو دعاة الوطنية!!

هل يغضبن أو يغضبوا من تعبير الماريونيت ؟

ونحن غضبنا من تسفيه قيمة الفن ، وتشويه مبادئ حقوق الانسان ، ويستوي لدينا من تابت على يد داعية متشدد ، مع من تاب على يد ضابط جلاد.

التوبة على يد شيخ لم يدخر جهدا لتشويه الفن والفنانين بنفس صمته على ظلم الحاكم ، رئيس أو ملك أو أمير ، كما التوبة على يد ضابط لم يدخر جهدا في تسفيه حقوق الانسان بنفس درجة دعمه لظلم الحاكم ، رئيس أو ملك أو أمير.

جمال عيد

محامي حقوقي مصري

اترك تعليق